الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

دراسات في السرد الحديث: سرد الحياة وحياة السرد في روايات سيد البحراوي القصيرة

بعنوان "هضاب ووديان"[1] أصدر سيد البحراوي تجربته الروائية الثانية بعد روايته الأولى "ليل مدريد".غير أنه في هذه المرة لم يكتب رواية واحدة، بل ثلاث روايات قصيرة(هضاب ووديان، رحلة الكروان، مغامرة رشيد) ضمها عنوان واحد هو عنوان الرواية الأولى في الكتاب،وكأننا بإزاء مجموعة قصصية؛ بحيث يمكن وصف هذه التجربة التأليفية بأنها مجموعة روائية، مادامت النصوص الثلاثة تتلاقى في الرؤية والأسلوب أو تصدر عن تجربة أدبية وإنسانية واحدة.

ولعل هذا الاختيار التأليفي أن يفرض نمطا من القراءة الكلية تعمد إلى تمثل نصوص الكتاب على نحو يعيد تشكيل التجربة الموحدة؛ أي الإجابة عن سؤال ضروري:ما هي طبيعة البلاغة التي اعتمدها الكاتب في تكوين هذه النصوص الروائية؟

الرواية بين خطاب المغامرة ومغامرة الخطاب.

لاشك أن أحد سبل قراءة الأعمال الأدبية هو وضعها في سياقها النوعي لأجل فهمها وربما تأويلها أيضا.وإذا كان قارئ هذه النصوص الثلاثة يشعر في النهاية أن الكاتب لم يأخذه في سرد ينطوي على نصيب وافر من الامتداد والتوتر والصراع والتشابك وغيرها من السمات التي ألفها القارئ في بلاغة الروايات؛فإن ذلك لا يعني أن هذه النصوص انحرفت عن الجنس الروائي، بقدر ما يمكن القول إن صاحبها سعى إلى الإبداع داخل هذا الجنس بما يناسب رؤيته الجمالية والاجتماعية التي نصبو إلى الكشف عنها في هذا المقال.

لقد عمد الكاتب إلى تشكيل نصوصه على نحو يوحي للقارئ بأن ما يقصه عليه السارد من وقائع وأحاسيس أمور حدثت له بالفعل في رحلاته الثلاث؛ أي إنه اعتمد في تشكيله لبلاغة التخييل الروائي بلاغات سردية أخرى من قبيل السيرة أو المذكرات مما يفسر هذه البلاغة المخصوصة التي أقدم عليها لإنجاز نصوصه الروائية التي تتراجع فيها ضرورات السرد التخييلي ومقتضياته المعروفة.

وربما كان تصنيفه لها في إطار الرواية القصيرة علامة أراد بها الكاتب الإشارة إلى هذه الحرية الإبداعية التي اتسمت بها كتابته الروائية.غير أن صفة القصر هنا لا تتنافى مع روح بلاغة السرد الروائي.ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن هذه الروايات الثلاث تحتفظ بسمات بلاغية الجنس الروائي، تجلت في حرص الكاتب على توفيره للحبكة أو الموقف السردي المتوتر، على الرغم من أن هذا الصنف من الروايات الذي يركز على الذات أو المكان أو يصرح بمضمونه لا يَعِد بدرجة عالية من الصراع الدرامي والتوتر الحاد الذي يمكن أن يشد أنفاس القارئ.

إن الكاتب الذي يقرر الكتابة عن مغامرة ما قبل قيامه بها يكون قد غامر بالفعل؛يقول السارد بعد نهاية روايته"مغامرة رشيد":"ومع أن مشروع هذا النص قد بدأ عند قرار اختيار رشيد للرحلة، فإنني لم أكن أعرف كيف سيتواصل ويكتمل...كان مجرد مغامرة، أعطتها هواجسي الداخلية، وأزمتي مع زوجتي، ومع حياتي واختياراتي السداة، لكن الساعات القليلة التي التقيت فيها بإيفون والتواطؤ المحدود التي تم خلالهما، هما اللذان أعطياها اللحمة، التي جعلتني أستطيع مواصلة الرحلة في رشيد حتى نهايتها وأستطيع إكمال النص."[2]

هذا إقرار من السارد بأن طبيعة البلاغة التي اختارها في صياغة نصه السردي تعتمد خطاب السيرة والمذكرات؛ أي إنه يعول في نسج نصه على ما تزوده به مغامراته ورحلاته الفعلية وكأن لا مجال للتخييل في صياغة النصوص الروائية.وهنا لاشك يثار سؤال بدهي: لماذا يوهمنا السارد بالأهمية الحاسمة للوقائع الحقيقية في كتابة النص؟ولماذا هذا الارتباط العلي بين الكتابة وبين ما يجري في الواقع الحقيقي؟

إن أول أغراض السارد وأهمها في اختياره المعتمد على الإيهام بحقيقة ما يروى هو إيقاع التصديق بالواقع المجسد في النص ولفت نظر القارئ إلى أزمة الكاتب الذي اختار أن يعتمد الواقع لتصوير مغامراته العاطفية والجنسية؛فهذا الكاتب قد لا يمده الواقع بمثل هذه المغامرات، ومن ثم فإن نصه قد يفقد أسباب وجوده.ولكي يتحقق النص ينبغي أن يلوذ الكاتب بالخيال أو الحلم. وفي الحالة الوحيدة التي اعتمد فيها السارد الواقع في تشكيل نصه السردي لم تكن مغامرته مرغوبا فيها.فقد أكرهه هذا الواقع عليها ولم يحوجه الأمر إلى تدبر أو تخيل لإكمال النص؛فمرارة الواقع هي النص السردي ذاته.على هذا النحو لم يعد الواقع يفرز سوى القبح والشر، أما الجمال فمجاله الحلم والخيال.

تحكي الروايات الثلاث مغامرات السارد أو رحلاته أو خروجه من بيته ومدينته؛ وفي هذا الخروج يتحقق السرد تارة بسبب فساد الواقع( رواية رحلة الكروان) وتارة أخرى بواسطة الحلم(رواية هضاب ووديان) أو التخييل(مغامرة رشيد) حيث يتحول هذا الواقع نفسه إلى عائق من عوائق السرد والمغامرة وتدفق الحياة. على هذا النحو عمد الكاتب إلى تكوين بلاغة تعتمد سمة المغامرة لأجل خلق حدث يستطيع بواسطته أن يصوغ سرديا أزمات الشخصية وهواجسها.هذا هو عمود بلاغة الرواية في هذا العمل؛ أي خلق حدث لتصوير شخصية مأزومة والكشف عن الحالة التي تعيشها وعن سماتها الشخصية وسلوكها في الواقع الراهن.غير أن النصوص الثلاثة التي تعتمد هذه الخطة البلاغية البسيطة في الظاهر،تحمل معنى آخر تسعى إلى تصويره وهو أزمة الحياة التي تنذر بأزمة السرد نفسه.

لا تكتفي إذن هذه النصوص بتصوير أزمة الشخصية المحاصرة في الواقع، بل تصور أيضا أزمة السرد في واقع مليء بالموانع.فالسارد المثقل بالأزمات والعلل؛ بعضها معلن في النصوص وبعضها الآخر متروك للاستنتاج، يبحث عن شكل أدبي لصياغة أزمته، أو بتعبير آخر، يبحث عن حدث يخرجه من رحلات روتينية لا تحمل عناصر جذب له أو للقارئ.غير أن هذا الشكل أو الحدث لا يتحققان في الواقع الفعلي؛ أي في مستوى الرحلة باعتبارها فعلا(أستثني هنا رواية رحلة الكروان التي سأعود إليها بعد قليل). وتحققهما في الخطاب أو الرواية دون الرحلة الفعلية، هو السمة البلاغية التي راهن عليها الكاتب لتوصيل أزمة الحياة؛فقد لجأ السارد إلى خلق الحدث بواسطة الحلم في الرواية الأولى، وإلى "فضح السر"- بعد نهاية الرواية الثالثة- والاعتراف بأن الحدث المحكي لم يجر في واقع الرحلة بل أضافه من وحي خياله.

ما الذي جعل السارد في روايتي "هضاب ووديان" و"مغامرة رشيد" يسند وقوع الحدثين البارزين فيهما(اللقاء الجنسي بين السارد وهاديا الفتاة الجزائرية في الرواية الأولى وبينه وبين إيفون السويسرية في الرواية الأخرى) تارة إلى خطاب الحلم وتارة إلى خطاب الكتابة؟

الإجابة الواضحة عن هذا السؤال، هي أن السارد يصور واقعا عربيا محافظا (في المشرق والمغرب) تزداد فيه القيود على الحرية الفردية؛ قيود أخلاقية واجتماعية تخنق الحياة وتوقف مجراها المتدفق.فالسارد في الرواية الأولى يشبع،بواسطة الحلم،رغبته الجنسية المكبوتة؛رغبة طبيعية اصطدمت بالمنع في مجتمع مدينة قسنطينة الجزائرية.وفي رواية "مغامرة رشيد" يضطر السارد إلى التخييل السردي لتعويض حرمانه من علاقة حب بدأت بينه وبين امرأة سويسرية في مدينة رشيد السياحية، وذلك أيضا بسبب قيود الرقابة والمحافظة المفروضة عليهما.

لاشك أن الكاتب أراد أن يوصل هذا المضمون الواضح بواسطة شكل جمالي غير مألوف؛ أعني الإيغال في الإيهام بواقعية السرد وتطابق النص السردي والواقع القائم وكسر توقع القارئ الذي رسخت لديه نصوص الذخيرة الروائية سيناريو سهولة اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة.حيث عمد الكاتب إلى خرق هذا السيناريو المألوف أو السخرية منه بواسطة خلق سيناريو جديد يكشف للقارئ أن اللقاء الجنسي ممتنع على مستوى الحكاية الفعلية وإن لم يكن كذلك بالنسبة إلى الخطاب السردي لهذه الحكاية.

هذا التعارض بين الحكاية(القصة كما حدثت) والخطاب(القصة كما رويت) قامت الروايتان بتعريته لتحقيق بعض الوظائف؛ فهو يلفت نظر القارئ إلى أزمة الحرية في حياة الإنسان العربي، على نحو ما يومئ أيضا إلى أن هذه الأزمة إن نجحت في شل حريته الفعلية وإيقاف مغامراته وبحثه عن السعادة، فإنها من جهة أخرى لا يمكن أن تنتزع منه الحلم أو الخيال أو الكتابة؛ فهذه وظائف وطاقات إنسانية تمكنه من مراوغة القهر الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.على هذا النحو قاوم السارد كل أشكال المنع التي لاحقته في رحلتيه وهددت مغامراته ومن ثم خطابه السردي؛ حيث أفلح-على مستوى الحلم- في تنفيذ مغامرته الجنسية مع هاديا في الفندق بالجزائر، كما أفلح-على مستوى الكتابة- في إتمام علاقة الحب مع إيفون في مدينة رشيد المصرية.

غير أن هذا التعارض لم يحدث في الرواية الثانية "رحلة الكروان" التي تطابقت فيها الرحلة الفعلية مع خطابها السردي(وهو بالطبع مجرد تطابق افتراضي لا أصل له في الواقع حتى وإن قد كان حدث بالفعل)؛ حيث قام خطاب الرواية بتصوير القهر الذي تعرض له السارد من أجهزة الأمن المسؤولة عن حمايته دون أن يضطر الخطاب السردي إلى تجاوز الرحلة الفعلية(أو القصة كما حدثت) أو مراوغتها بالحلم أو الكتابة كما حدث في الروايتين الأخريين. لقد آوى الخطاب السردي التخييلي في هذا النص إلى الحكاية الفعلية مستسلما لما جرى في الواقع.هنا يبدو أن وظيفة الخطاب اكتفت برواية الحكاية لأن السارد لم يعد يملك القدرة على المقاومة عندما وجد نفسه يسبح في تيار الفساد ويستسلم له طوعا أوكرها.

إن قراءة الروايات الثلاث مجتمعة تفرض على القارئ الانتباه إلى التنويعات التي صاغ بها الكاتب العلاقة بين الحكاية الفعلية والخطاب السردي المنجز؛ تلك التنويعات التي تكشف أن السارد(أو الكاتب) إما أن يذعن في خطابه إلى سلطة الواقع والحكاية الفعلية، أو أن ينشئ خطابا حالما أو تخييليا.في الخطاب الأول يكتفي السارد بالنقل والمحاكاة بينما يتجاوزهما السارد في الخطاب الثاني إلى خلق عالم وهمي مواز للعالم الواقعي، عالم خال من أشكال القهر الاجتماعي والقمع الأخلاقي، حتى وإن أوحى الخطاب السردي أنه لم يخل منها تماما بل أفلح في التحايل عليها ومراوغتها فقط.

لاشك أن هذا العمل الروائي بنصوصه الثلاثة يثير سؤال الكتابة ووظائفها في عالم تضيق فيه الحريات وتزداد أشكال القهر وتتنوع.فالكتابة تستطيع أن تقاوم سواء بتصوير ما يجري في الواقع أو تصوير ما يمكن أو يحتمل أن يجري، مادامت الكتابة( أو الخطاب) تشكل أداة للسيطرة على التجارب التي يمر بها الإنسان.فقد تمكن السارد بإنشاء خطاب "رحلة الكروان" الروائي من السيطرة على تجربة القهر التي مر بها عندما وُجِّهت إليه تهمة(؟) إلحاق الأذى بالآخرين(أمه وأخته) وذلك عندما وقعت له حادثة سيارة في الطريق إلى الكروان نجمت عنها إصابات طفيفة، حيث سحبت منه رخص السيارة مما أجبره على مواجهة سلسلة من الإجراءات الإدارية الفاسدة للتخلص من الورطة الحقيقية التي حرمته من الاستمتاع بالرحلة التي قام بها برفقة أفراد عائلته بعد سنوات من الوحدة؛ يقول في نهاية الرواية وبعد انتهاء المحنة:" ..وقاد محمود السيارة ببطء حتى "الكروان"، وقد انتهى-بداخلي-كل ما كان قد تبقى لدي من شعور بالسعادة"[3].

لكن السارد التي انتهت رحلته هذه النهاية غير السعيدة سيبحث عن السعادة في الكتابة، حتى ولو كانت كتابة من الصنف الذي يكتفي بسرد ما جرى. فقد يكتشف السارد فيما سيكتب ذاته،ويصبح-في هذه الحال- انتقال الحكاية من الفعل إلى الخطاب مناسبة للتأمل والفهم.يقول السارد في رواية"هضاب ووديان" بعد شعوره بالعجز عن تناول وجبة العشاء بأطباقها:

" في زمن مضى، حينما كنت أمر بمواقف مثل هذه، كنت أعيش حالة من التعاسة لا توصف.الآن لأنني أستطيع الكتابة، أشعر بنوع من السعادة والرضى عن نفسي، لأنني قادر على المصارحة وعلى أن أعرف نفسي أفضل مما كنت قبل ذلك. هذه تجارب في الحياة، جميل أن نعيشها وأن نستوعبها، وألا تدعها تفسد علينا الحياة، بل نغلبها إذا أمكن.[4]"

وبالكتابة أيضا استطاع السارد أن يجسد المغامرة الجنسية التي لم يَـجُد بها الواقع المحافظ والقامع، وأن يخلق بواسطتها الحياة والسعادة والتواصل.فلعلها أن تكون الأداة الوحيدة التي يملكها المثقف العربي في الوضع الراهن للاحتجاج والمقاومة والرفض.

بلاغة الصور الجنسية.

في رواية "هضاب ووديان" ورواية "مغامرة رشيد" تهيمن-في مستوى الخطاب السردي- الصور الجنسية المحمومة التي تكشف عن رغبة السارد (أو الساردين) المكبوتة. وقد سبق القول إن بلاغة الروايتين قامت على إبراز[5] التعارض بين المغامرة في الحكاية الأصلية والمغامرة في الخطاب السردي؛ فالتوهج الذي أسبغه الكاتب على اللقاءات الجنسية في النصين يمكن تسويغه روائيا بأنه سمة من سمات صور الحلم والتخييل؛فقد صيغت الصور الجنسية في سياق الخطاب السردي ولم تحدث في الواقع الحقيقي، ولأجل هذا حملت دلالات الانطلاق والحرية والاندفاع.كما أن الساردين شخصيتان تعانيان ضروبا من العلل والأزمات الذاتية والموضوعية؛ وفي بحثهما عن الحب (أو الجنس لا فرق بينهما هنا) باعتباره نوعا من الرغبة في الحياة والتواصل والتحرر والسعادة يصطدمان بإيديولوجية قامعة ضاعفت عللهما وبلغت بأزمتيهما الذروة التي دفعتهما إلى التسامي بالرغبة المكبوتة بواسطة الحلم أو الكتابة لملء الفراغ وسد النقص في الواقع والاحتجاج على الإيديولوجية المهيمنة في واقع المدينة التي تفرض قيودا على الحرية باسم الدين أو الإرهاب أو غيرهما.

1- مغامرة الحلم.

تجري أحداث رواية "هضاب ووديان" في مدينة قسنطينة بالجزائر ؛ حيث يرصد السارد تنقلاته داخل الفندق أو خارجه في فضاء المدينة ذات التاريخ العريق أو يرصد مشاعره واسترجاعاته؛ وفي خلال ذلك كله يمتد الحدث الروائي ويتطور، وهو البحث عن "هاديا" أو الدافع الخاص الذي كان وراء زيارته العملية هذه المرة إلى هذه المدينة؛ يقول السارد:"ليس الأمر مجرد شهوة. لها سحرها الخاص، لا تدري أين يكمن بالضبط..ثمة أسطورة خبيئة تريد أن تتعرف عليها. جئت لكي تعرفها، وليس تدري إلام ستصل".[6]

وطوال النص الروائي تلتحم أسطورة المرأة بأسطورة المدينة:" يراودني هاجس –وأنا أنتظر- أن هذه ستكون آخر زياراتي لقسنطينة فها أنا منذ المرة السابقة وأنا أحاول تملك أسطورتها.أمتلك بعض المفاتيح من المشاهدة والاستمتاع والقراءة..لكنني لم أستطع بعد. هاديا هي المفتاح الأهم. وإذا لم تتصل ..فلن آتي بعد ذلك كما هددتها من قبل"[7].ويتجلى هذا الالتحام أو التداخل في نص صورة الحلم الجنسية، وهي صورة تداخل فيها جسد المرأة بجغرافية قسنطينة،على نحو ما كثفت سماتها واقع المدينة في تحولاتها الحديثة: المنع وكبت الرغبات والحريات وما يترتب عن ذلك من خوف وانكماش وإصرار على التحدي في الوقت نفسه.

في هذه الصورة الروائية يتحول جسد هاديا –بفعل الإخصاب الجنسي- إلى جسد أسطوري ينتصب ثدياه وينتفضان ليخرجا منهما ماردان؛ جسد كأنه نبيذ وردي معتق لا يرتوي وارده، سحيق ومخيف.جسد يكتسي كامل أنوثته وهو يتحرر من القيود ويلتحم بالجسد الآخر؛ لقد تخففت هاديا من الملابس واهتاجت بعنف وصرخت وتأوهت وغيرت الأوضاع.أما السارد الذي قدمته الرواية منذ البداية مهووسا بالمرأة، يستشعر أقل تلامس بجسدها ولا يدع أدنى فرصة سانحة للاقتراب منها، فقد حملت صورته في الحلم كل سمات صورته الشخصية المرسومة في الرواية: الرغبة والأزمة والخوف والمنع والتحدي. على هذا النحو شكل الحلم صورة روائية تندغم في السياق الكلي للرواية.

ويجب التنبيه-من جهة أخرى- على أن صورة الحلم المتحررة لم تنفصل عن الواقع المقيد الذي صدرت عنه؛ فالسارد المنطلق في دنيا الحلم والجماع لم يستطع أن يخفي أزمته التي تجلت في انكماشه وخوفه وعدم قدرته على الاستجابة الجنسية لولا الجهد الذي أبداه الطرف الآخر (المرأة) في إنقاذ فحولته وتجديد طاقته.كما أنه في الوقت نفسه تقمص دور القامع والكاتم لأنفاس العملية الجنسية مثلما مارسها المحيط الاجتماعي معه عندما حرمه من تحقيق التلاقي الجنسي الفعلي بالمرأة في عالم الواقع.هكذا انتقل الخوف من عالم الواقع إلى دنيا الحلم؛ وهاهو السارد المتخوف والباحث عن اللذة يضغط على جسد هاديا حتى لا يخرج صوتها من الباب وحتى لا تعلن لذتها.

هذا الوضع يوحي باللذة المنتزعة؛ فالسارد ينتزع لذته الجنسية في الحلم تحت سلطان الخوف وسياسة التكميم، كما انتزع مغامرته من الواقع المعاكس بواسطة هذا الحلم نفسه.فهل نملك-في هذه الحال- القول إن هذه الصورة الجنسية ليست في سماتها سوى صورة قسنطينة كما وصفت في كتاب حول المدينة العتيقة حصل عليه السارد في إحدى جولاته بالمركز الثقافي بالمدينة؛ تقول الصورة:

"مدينة محصنة كعش النسر ومتدلية كعنقود عنب مطل على نهر الرمال. وجهها تفاحة من قرميد.. ويداها ربوتان من الحجر الصوان..إن مدينتنا قريبة من السماء والسماء لا تكون زرقاء إلا في قسنطينة كما قال أديبها مالك حداد"[8].

تتجاور هنا صفتان متعارضتان: (محصنة-قريبة من السماء) في مقابل (متدلية). كما تحيل العناصر المشبه بها إلى حقل الاشتهاء والغواية (عنقود عنب-تفاحة-ربوتان)؛ ولكن هل يجوز الاقتراب من العنقود أو من التفاحة..؟ وهل يمكن مطاولة السماء؟

إن القارئ المتمرس ببلاغة الرواية يجد نفسه مجبرا على أن يتدبر العلائق المحتملة بين هذه الصورة والسياق النصي للرواية، وبشكل خاص علاقتها بالصورة الجنسية التي قمنا بتحليلها حتى يتمثل تلك الدلالة التخييلية التي رامها الكاتب في روايته وأعني بها اللذة المحرمة أو المقدسة التي يتعذر الوصول إليها.

2-مغامرة الكتابة.

في رواية "مغامرة رشيد" يقدم السارد جملة من الحوافز التي دفعته إلى السفر والخروج والمغامرة؛فقد كان مرهقا جسديا ونفسيا، يعيش أزمة مع زوجته ومشاكل صحية، ويحتاج إلى الهدوء والتأمل والتواصل مع ذاته، كما يحتاج إلى من يخرجه من سأمه ووحدته[9]..

يمكن نعت هذا النص بأنه رواية الذات والمكان في الوقت نفسه كما عبر السارد بقوله:"أريد رشيد البشر والمباني. أريد التاريخ كما ترك نفسه فيهما معا-هل أريد أيضا أن أرى نفسي كما ينبغي؟"[10]

تلتقي هذه الرواية بسابقتها في تصوير المكان بأبعاده التاريخية وتحولاته الاجتماعية والسياسية في الواقع الحاضر، وذلك من خلال سرد قصة سفر السارد إلى مدينة رشيد السياحية ولقائه بسائحة سويسرية استشعر الحاجة إليها دون أن يفلح في تحقيق حبه لها في الواقع الفعلي.ولأنه قد كان قرر الكتابة عن رحلته من قبل، فلم يكن بالإمكان أن يحرم سرده للرحلة من علاقة حب تنعش هذا السرد وتمنحه أسباب الحياة، على نحو ما تنعش الكتابة نفسها حياة السارد وتمنحها معنى؛ لأجل ذلك قرر اختلاق هذه العلاقة أو انتزاعها من الواقع بواسطة التخييل.فهل نجح التخييل في خلق علاقة حب خالية من الموانع والمعوقات أم أنه مثل الحلم في رواية "هضاب ووديان" لم يكن مفارقا للواقع بل كان امتدادا مكملا له؟

عندما نتأمل صورة الحب التي نسجها خيال السارد بعد أن أنهاه الواقع المحافظ في المدينة، نجدها –على الرغم من ذلك- جزءا من هذا الواقع مهما احتجت على إيديولوجيته وتمردت على قيوده.فاللقاءات الجنسية بين السارد وإيفون تمت في سرية خوفا من تربص المراقبين، وحتى عندما قررا مواصلة لقاءاتهما في القاهرة تدخل الإرهاب وحال دون ذلك.وهل يمكن أن ينفصل السارد في ممارسة التخييل عن حدود الواقع الذي يعيش فيه؟

يقول السارد موهما القارئ بالإفصاح عن مضمون الرواية:"كانت تحتاج وأنا أحتاج. وكلانا احترم الآخر، واحتج،، أو تحايل على قمع مورس ضدنا من البوليس والتاريخ والإرهاب ورغم كل ذلك، ورغم كل ما فيها من قذارة ورقابة ومحافظة نجحت رشيد في أن تحتوي حبنا".[11]

هذا التصريح يخفي حقيقة أخرى كشفها السارد بعد نهاية الرواية وهي أن الاحتجاج الفعلي لم يحدث سوى بالكتابة أو التخييل السردي وليس بالفعل أو العمل، وأن مدينة رشيد لم تنجح في احتواء حب السارد وإيفون؛ حب مات في المهد لأن رشيد التي سعى إليها السارد ووصفها بالعشيقة، مدينة لا وجود لها سوى في قلوب أهلها الذين أحبهم:"هي ليست قائمة الآن. هي تحت التلة، وربما شمالا في الطريق إلى شاطئ البحر المتوسط"[12].

وعلى الرغم من أن عشيقته رشيد لم تنجح في إخراجه من أزمته المتعددة الوجوه؛ فمازال يتطلع إلى اللقاء بإيفون في مدينة رشيد التي يحلم بها؛ مدينة التعدد الثقافي والتاريخ النضالي؛ مدينة تنبذ القمع ولا تخلقه.فالسارد هنا مثله مثل السارد في رواية "هضاب ووديان" يحلمان بمدن لا تقف في وجه ازدهار الحياة وتتحول إلى فضاءات للتخويف والترهيب ووضع الحواجز بين البشر.

***

في هذا العمل الروائي بنصوصه الثلاثة اعتمد الكاتب خطابا سرديا يتقاطع مع الخطاب السائد في جنس المذكرات أو السيرة أو الرحلة في إيهامه القارئ بصدق ما يروى واكتفائه بتدوين ما يحدث له على سبيل الحقيقة.غير أن هذا الإيهام-في الروايتين الأولى والثالثة- لم يكن سوى خطة توخى منها الكاتب إظهار عقم الواقع وجموده وكبته للحرية والحياة ووقوفه ضد السرد نفسه الذي شاء أن ينطلق منه في تكوين حياته وإثبات وجوده.لقد أراد الكاتب أن يواجه الواقع في المدينة العربية بسؤال بسيط ولكنه غير مألوف في الأعمال الأدبية: ماذا لو اقتصر الكاتب المبدع على تمثيل ما يجري في واقعه حرفيا؟ أي ماذا لو لم يسعفه الخيال أو الحلم في تكميل هذا الواقع وتحويله إلى إبداعات سردية إتسانية فاتنة؟

الجواب الذي تفترضه الرواية هو أنه واقع قبيح خال من الحب والحرية والسعادة؛ واقع صوَّرته هذه النصوص الثلاثة بصيغ جمالية تنوعت بين الحلم(هضاب ووديان) والمحاكاة(رحلة الكروان) والتخييل(مغامرة رشيد).وإذا كان النص الأول والثالث قد قاما بتكميل الواقع والبحث عن بديل ممكن له ولو كان بالحلم أو التخييل، فإن النص الثاني أذعن له واستسلم لقبحه فجاءت الحكاية كما أرادها الواقع من دون تكميل أو تجميل.ولكن أليست الكتابة الأدبية ذاتها –كيفما كانت صيغتها الجمالية-نوعا من التحدي لهذا الواقع أو نوعا من الاستيعاب للتجارب حتى نتمكن من السيطرة عليها؟

لقد قد سيد البحراوي في هذا العمل نصوصا روائية قريبة من السرد اليومي في لغتها وبنائها؛ نصوصا زاوجت بين أنماط متعددة من الخطاب(خطاب المذكرات أو السيرة أو الرحلة أو التاريخ) إلى جانب السرد الروائي المستبطن للذات والواقع والمكان، وذلك باعتماد حدث بسيط في توتره وتطوره.و هذا النوع من الكتابة يحتاج من الناقد قدرا من المرونة للتجاوب معه.



هضاب ووديان-ثلاث روايات قصيرة، آفاق للنشر والتوزيع،القاهرة، ط1 ،2006[1]

نفسه، ص. 156.[2]

نفسه، ص.74.[3]

نفسه،ص. 16.[4]

أستخدم مفهوم الإبراز هنا باعتباره تقنية جمالية أو بلاغية بصرف النظر عن دلالات استخدامه في إطار التصورات الأسلوبية البنيوية. [5]

الرواية، ص. 9.[6]

نفسه، ص. 14.[7]

نفسه، ص. 20.[8]

نفسه، ص. 77-78-81-82-128[9]

نفسه، ص. 82.[10]

نفسه، ص.154.[11]

نفسه، ص. 155.[12]

الجمعة، 24 أكتوبر 2008

حديث الجامعة5 الأدب والتعليم


ارتباط الأدب بالتعليم كان يعني في القديم تمكين المتعلم من ذخيرة النصوص الأدبية في الشعر والنثر حتى يصبح قادرا على التمثل بها في مختلف المواقف أو لتكون عدة له في القول والإنشاء. تعليم الأدب كان مرادفا للتثقيف والتهذيب والإعداد اللغوي والأدبي والخطابي. أن تتعلم الأدب يعني أن تصبح بليغا أو خطيبا أو كاتبا. ولم يختلف الهدف من تعليم الأدب في العصور الحديثة عن هدفه السائد قديما؛ غير أن المجتمعات الأرستقراطية والبرجوازية الحديثة ربطت التأدُّب بالنُّبل والتميُّز عن الطبقات الدنيا الأقل حظا من سلطان المال والمعرفة. هكذا اقترن الأدب تاريخيا بالقدرة على الخطاب وبالتميز الاجتماعي.

غير أن انتشار المؤسسات التعليمية في المجتمعات المعاصرة وتحول الأدب إلى مادة معرفية تلقن للتلميذ في المدرسة وللطالب في الجامعة سواء باعتبارها مادة تكميلية أو مادة للتخصص والتأهيل، سيجعل من تعليم الأدب حرفة أو مهنة يسعى إليها الطلاب بحثا عن مصدر للرزق؛ أعني إنتاج فئة من المتخصصين يعملون في المؤسسات التعليمية مدرسين للأدب. هكذا تحوَّلت وظيفة تعليم الأدب من الغاية التثقيفية الخالصة إلى الغاية المهنية؛ لتبدأ متاعب تعليم الأدب والمخاطر التي تتهدده.

لماذا نعلِّم الأدب؟

من الخطأ حصر الجواب في الجانب المهني، لأننا نحكم في هذه الحال على الأدب بالدوران في حلقة مفرغة؛ أي فئة اجتماعية تعيد إنتاج نفسها في سلسلة لا تنتهي: التعليم لأجل التعليم.

ومن الجهل الجواب بالدعوة إلى الاستغناء عن تعليم الأدب، لأنه في جميع الأحوال لابد من تأهيل فئة من المتخصصين لتدريس الأدب للتلاميذ في المدارس؛ فلا يعقل أن يتم تكوين هؤلاء في مواد علمية أو تقنية خالصة من دون مواد إنسانية تبصِّرهم بأنفسهم باعتبارهم ذواتا إنسانية قبل كل شيء. فقد برهنت التجربة أن التلميذ "العلمي" الجيد يضمر شغفا كبيرا للأدب، وأنه عندما يتخرج ويندمج في الحياة العملية يظهر حاجة ماسة إلى الثقافة الأدبية.

إن المخرج المناسب لإنقاذ تعليم الأدب من المخاطر المحدقة به، لا يكمن في ربطه بسوق العمل، لأن التعليم الأدبي ببساطة شديدة لا يمكن ربطه بمهن محسوسة خارج دائرة التعليم، بل يكمن في تعميق دوره التثقيفي الذي اقترن به منذ البداية؛ أي إعداد مجتمع من الطلاب إعدادا أدبيا رفيعا سواء في المرحلة الثانوية أو في المرحلة الجامعية. وهذا يقتضي أن تتغير نظرة المجتمع إلى التعليم الأدبي تغيرا جذريا من النظرة المهنية القدحية إلى النظرة التثقيفية المنزهة عن كل الأغراض العملية. كما يقتضي أن تتغير طرق تدريس الأدب تغيرا جذريا من التركيز على مناهج وأدوات مقاربة الأعمال الأدبية إلى التركيز على قراءة الأعمال الأدبية وتذوقها ومناقشة أفكارها وتأويل معانيها.

لا يوجد سوى حلٍّ واحد لا بديل عنه لإنقاذ تعليم الأدب من المأزق الذي تورط فيه؛ ربط تعليم الأدب بالتثقيف بغض النظر عن ما يمكن أن يسفر عنه هذا التعليم من مهن عملية. لن يسترد التعليم الأدبي بريقه ومكانته في المجتمع إلا بوصله بوظيفته الأصلية القديمة عندما كان الإنسان يطلب الأدب ليثقف نفسه ويصبح بليغا أو كاتبا أو خطيبا.

من حق المتأدب الجيد اليوم أن يباهي غيره من المتأهلين في حقول العلوم العملية المختلفة أن وظيفته في الحياة ليست أقل شأنا من وظائفهم؛ فالعبرة ليست بالعائد المادي أو بالنتائج الملموسة، ولكن بالاحتياج الذي تفرزه المجتمعات الإنسانية المتحضرة إلى هذا اللون من المعرفة التي لا يمكن أن يزهد فيها سوى جاهل بحقائق الحياة.

لاشك أن الأخذ بهذا الاعتبار سيطرد كل متطفل رمت به الأقدار إلى هذا المجال بعد أن ضل الطريق وعجز عن إدراك المراد، وسيرشد كل متعلم شغوف إلى السبيل الصحيح للتأدب والنهل من عيون الأدب، وسيجعل معلم الأدب يدرك أن وظيفة تعليم الأدب ليست بعيدة عن وظائف التثقيف والتهذيب والارتقاء بالذوق والتبصير بالإنسان وبالحياة وبالوجود.

ما أبعد هذه الوظيفة عن سوق العمل، وما أقربها من حقيقة الأدب وجوهر الإنسان!

حديث الجامعة4 ترويض البلاغة


لا تحمل كلمة ترويض أي معنى قدحي سواء استعملت بمعناها الحقيقي أم بمعنى مجازي؛ إنها خلافا لذلك تحمل كل المعاني الإيجابية التي تدل على قدرة الإنسان على الإبداع وتطويع الطبيعة لصالحه والارتقاء بحياته. فالترويض يفيد الإصلاح والتقويم والتحسين، كما يفيد استخدام الإنسان لملكاته ومهاراته في ابتكار أساليب الترويض. ففي نهاية الأمر الترويض مطلب حضاري وفعل ثقافي.

ما علاقة الترويض بالبلاغة؟

إنها علاقة وثيقة؛ فالبلاغة ترويض للسان والقلم للانخراط في مجتمع متحضر يعتمد التواصل بدل العنف، والبلاغة أيضا ترويض للكلام أو صياغة جديدة له لأجل فهمه والقبض على أسراره؛ إي إنها خطاب واصف يسعى إلى تفسير ظواهر التواصل الإنساني وتأويلها. وهولا يستطيع ذلك إلا بواسطة مجموعة من الأدوات والمفهومات التي يتوسل بها في عملية الترويض.

هل يعني هذا أنه يمكن الحديث عن ترويض بلاغي مقنن مثل حديثنا عن الترويض الطبي؟

يرى بعضهم أن ترويض الدارسين المعاصرين للبلاغة القديمة بأنه لا يدعي إنشاء "بلاغة قاعدية جديدة" بل قصارى ما يصبو إليه أن "يشتغل على بلاغة التجليات" التي لا "تتعارض مع مقولات البلاغة المأثورة وإنما تستكمل وظائفها في الفنون غير المطروقة وتستكشف وظائف وبنيات جديدة لها" أما [ترويض محمد مشبال] فقد رام إنشاء "بلاغة مقولية للنادرة" ولكنه لم يفلح في إقناعنا سوى بكشفه عن بلاغة نوعية لنصوص النوادر.

إن البلاغة المقولية لا وجود لها إلا في أذهان "المروضين" المعاصرين الذين اصطنعوا مفهومات وثنائيات ومنها ثنائية "النسق والاستعمال". إنها لا تعدو أن تكون ثمرة من ثمار الترويض المعاصر للبلاغة العربية القديمة، ولكنه ليس الترويض الوحيد مادمنا في مجال الإنسانيات؛ فمن حقنا أن ندعي أيضا أن البلاغة العربية بلاغة الاستعمال وليست بلاغة النسق، كما أن بلاغة أرسطو بلاغة الاستعمال أيضا(موضوعها أنواع الخطاب ). لقد قدم البلاغيون العرب القدامى نموذجا واضحا لبلاغة مرتبطة بالملفوظ؛ بلاغة تصوغ أبوابها وسماتها من تفاعلها مع النصوص الشعرية والنثرية. ولم ينقطع هذا التفاعل الذي ترجمه حازم القرطاجني ترجمة رائعة عندما صاغ بلاغة شعرية فريدة في التراث. هل كان حازم يقعد للبلاغة غير معني بالتجنيس؟ وهل كان قبله عبد القاهر الجرجاني يقعد للبلاغة خارج وعيه الجمالي بالشعر حتى وهو يستدل على إعجاز بلاغة القرآن؟

إن علاقة البلاغة بالنسق المجرد أو "صورية البلاغة" فكرة كباقي الأفكار التي لا نكف عن اقتراحها اليوم لترويض البلاغة العربية وباقي علوم العربية؛ فنلحق البلاغة بالعروض والنحو ونقول إنها علوم صورية أسسها أصحابها على مفهوم النسق وليس الوظيفة أو الاستعمال. فلا شأن للخليل بوظائف الأوزان ودلالاتها أو تأثيرها لأنه كان يقعد للعروض خارج الشعر بما هو محتوى جمالي. لكن مع ذلك هل يجوز قياس البلاغة على علمي النحو والعروض: هل بدأت البلاغة بالتقعيد؟ وهل يجوز بالفعل حصر عمل البلاغيين في فئة أو في كتب، أم أن البلاغة ماثلة في كل نظرة تعبر المسافة الفاصلة بينها وبين النص؛ منذ أن فضلت أم جندب صورة شعرية لعلقمة الفحل يصف فيها الخيل على صورة شعرية لزوجها امرئ القيس محتكمة إلى معيار مستمد من تجربتها وليس من قاعدة جاهزة، إلى آخر النظرات التي نمارسها في حياتنا اليومية على كل مظاهر الإبداع الإنساني مستندين إلى خبرتنا الجمالية والإنسانية المتراكمة.

لأجل ذلك لم أزعم في كتيبي المذكور إنشاء بلاغة قاعدية على أنقاض البلاغة العربية القديمة، ولكنني أرى ضرورة "ترويض" هذه البلاغة وإعادة اكتشافها وتطويرها لأجل صياغة بلاغات نوعية؛ ولاشك أن تراثنا يزخر بملاحظات ثاقبة (ملاحظات الصابي والجاحظ وحازم وابن جني والجرجاني وابن الأثير..) يمكن استثمارها في إنشاء هذه البلاغات الخاصة أو النوعية.

لقد كان أمين الخولي-في تقديري- أكبر "مروضي" البلاغة العربية في العصر الحديث، وقد بلغ ترويضه درجة التقويض لمرتكزات هذه البلاغة. فما علاقة بلاغته المقترحة بالبلاغة "المقولية"؟! ألا تتعارض بلاغته مع مقولات البلاغة المأثورة؟

إنني أعتقد أن البلاغة حقل فسيح ومرن يسمح لهواة الترويض بممارسة هوايتهم على أكمل وجه؛ فلا خوف على البلاغة من المروضين القساة مادام الهدف في النهاية الإصلاح والتقويم والتحسين.

حديث الجامعة3 عن محن الأدب


من يستطيع اليوم أن يتحدث بخير عن الأدب في مدارسنا وجامعاتنا، بل وفي فضاءاتنا الاجتماعية؟! لا أتهم الناس بالجهل كما أنني لا أطالبهم بأن ينشغلوا بشيء لا يعتبر جزءا من أولوياتهم وحاجاتهم الملموسة. فالأدب إن كان مطلبا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا عند العرب قبل الإسلام وبعده، وكان ولا يزال كذلك في المجتمعات الغربية الديموقراطية، فإنه لا سلطان له في مجتمعاتنا العربية المعاصرة؛ حيث لا صوت يعلو على صوت السلطة الحاكمة، و لا حاجة تعلو على حاجات عامة الناس في أن يمتلكوا سلطة مادية تعوضهم العجز عن فرض سلطتهم الرمزية.

وإذا كان العرب القدماء امتدحوا البلاغة وقدروا القريحة البلاغية الأدبية والبيانية في مجتمع لا يفصل بين حد السيف وحد الكلمة، وبين قوة العصا وقوة البيان، فإن جبروت السلطة السياسية لم يكن يسمح للبلاغة بأن تصبح سلطة اجتماعية؛ ولأجل ذلك عاش أعظم صناع البلاغة في ثقافتنا العربية القديمة شعراء وكتابا محنا اجتماعية، لم يخفف من وطأتها عليهم سوى الاقتراب من هذه السلطة وطلب ودها؛ ألم تعبر مقامات الهمذاني والحريري تعبيرا عن محنة البلاغة وصناع الأدب في المجتمع العربي عندما صورت تحول الشاعر من نبي في قبيلته إلى مكد في المدينة يستجدي لكي يعيش؟!

هل كان يجرؤ بلاغي عظيم مثل الجاحظ أن يصوغ بلاغته وينشر مؤلفاته من دون رعاية وإشراف السلطة الحاكمة حتى وإن أبى أن يكون كاتبا خادما أو موظفا في ديوانها. وهكذا كان شأن غيره من فحول البلاغة العربية شعراء وكتابا، لا يملكون إنتاج بلاغاتهم ونشرها إلا عبر قناة السلطة. وما يعنيني في هذا المقام ليس الإشارة إلى حرية التعبير الأدبي، ولكني أردت الإشارة إلى إحدى محن الأدب في الحياة، وهي أن صناعه لا يستطيعون في مجتمعاتهم الاعتماد في عيشهم على صناعتهم؛ لأجل ذلك اضطر الشاعر القديم إلى التكسب، والكاتب إلى التقرب من السلطة حتى تنفق بضاعته ويجني منها ما يقيم به أوده، أو الاتكاء على صناعة أخرى بالإضافة إلى صناعة البلاغة.

هل اختلف الوضع في زماننا هذا؟ هل يستطيع شاعر أو روائي أو كاتب في المجتمعات العربية اليوم لا يملك وظيفة أو راتبا شهريا أو مهنة أن يعيش على العائد المادي الذي يحصل عليه من مبيعات كتبه؟! بل الأصح أن نسأل كم ينفق الأديب العربي من ماله الخاص لكي ينتج عمله ويذيعه في الناس؟

إن على الأديب العربي إذن أن ينفق على الأدب من حرفة أخرى يحترفها مادام الأدب حرفة من لا حرفة له؛ حرفة لا يعترف بها المجتمع إلا في إطار الوظيفة؛ أن يكون الأديب أستاذا للأدب أو صحافيا أو مستشارا لدار نشر أو عضوا في مؤسسة ثقافية وطنية أو دولية.

لعل قدر الأدب في مجتمعاتنا أن يظل أشبه ببضاعة غير نافعة تقبل عليها فئة قليلة من الناس تزجي بها وقتها الفارغ. وفي مثل هذا الوضع لن نحلم بأدباء متفرغين للإبداع الأدبي؛ أدباء ليس لهم ما يشغلهم عن تحريك خواطرهم وخيالاتهم سوى أعمالهم الأدبية التي تحتاج منهم إلى جهد فكري وبحث مضن. فليس الأدب صناعة إنشائية فارغة، أو خواطر تكتب في مقهى أو في رحلة سفر بين محطتي قطار. وإذا كان شيء من ذلك يحصل لبعض الأدباء، فإنه ليس سوى إفراز من إفرازات مرحلة طويلة من الإعداد.

نحلم بمجتمع يقدر حرفة الأدب؛ وأفضل تقدير رسمي لها أن تقبل وزارة الثقافة على اقتناء مؤلفات الأدباء وتوزيعها على مؤسساتها التابعة لها في مختلف جهات الوطن. وأفضل تقدير شعبي لها أن يشجع الآباء أبناءهم على القراءة. وأما الأدباء فواجبهم أن يتفهموا الواقع المتغير وأن ينصتوا للناس ويستجيبوا لمطالبهم المعلنة والخفية، وأن يتخلوا عن بياناتهم المسرفة في المثالية. وفي كلمة واحدة إنهم مطالبون بالانقلاب على مفاهيمهم إذا شاؤوا لأعمالهم أن تسهم في تخليص الأدب من بعض محنه الكثيرة.

حديث الجامعة2 عن النقد الأدبي في الخطاب الصحفي


في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي أتيح لي أن أتابع باستمرار الصفحات الثقافية في الصحف المصرية التي كانت تتابع الحياة الأدبية والفكرية في القاهرة وغيرها من المدن المصرية. وكنت لاحظت أن هذه الصحف تكتفي بنشر أخبار الإصدارات الجديدة والأنشطة الثقافية والفنية في الجامعات وباقي المؤسسات الثقافية، كما قد تنشر بعض التحقيقات الصحافية حول ظواهر ثقافية متنوعة، أو حوارات سريعة مع مفكرين أو روائيين أو شعراء أو نقاد، وقد تنشر بعض القصائد والقصص القصيرة.

وطوال متابعتي لهذه الصحف كنت أرتاب في الخدمة التي يمكن أن تسديها للأدب، وكان في ذهني نموذج الصحافة المغربية الذي كانت تصدر ملاحق ثقافية شكلت في الواقع منبرا يؤمه النقاد والأدباء الجامعيون وغير الجامعيين للنشر السريع والانتشار الواسع. والحق أن هذه الملاحق الثقافية كانت أشبه بمجلات متخصصة احتضنت صفحاتها التجارب النقدية والإبداعية المتنامية في المغرب؛ فقد استطاعت أن تواكب الانفتاح النقدي في المغرب على المناهج الحديثة، مثلها في ذلك مثل المجلات الثقافية المتخصصة لا تكاد تختلف عنها في الشكل أو المضمون.

ولكني أدركت بعد ذلك أن هذه الملاحق الثقافية كانت تحمل نفسها أكثر مما تستطيع أن تحتمل؛ فالمقام الصحفي مقام إخبار وإن اتسع أحيانا لإبداء الرأي في قضية أو مناقشة أو سجال. ولكنه لا يستطيع أن يتحمل مقالات نقدية دقيقة في نظريات الأدب الحديثة ومناهج مقاربة النصوص الأدبية.

صحيح أن الملاحق الثقافية في الصحافة المغربية نجحت في سد حاجات أعداد متزايدة من الكتاب المغاربة الذين لم يجدوا مجالات أخرى لنشر كتاباتهم؛ فعدد المجلات الصادرة بالمغرب قليل كما أن صدورها غير منتظم. غير أن النتائج العملية لهذه الملاحق الثقافية لم تكن لتسعد أحدا؛ فقد تبين لمعظم القراء أن المادة الأدبية الدسمة والدقيقة كانت على حساب متطلبات القارئ العام الذي افتقر إلى مقالات نقدية توصل إليه الأعمال الإبداعية وتساعده على قراءتها.

لقد كان واضحا أن السواد الأعظم من كتاب الملاحق كانوا يمثلون فئة واسعة من الباحثين الجامعيين الشباب في مجال النقد الأدبي والمناهج والرواية والشعر والمسرح؛ وكان هؤلاء يتخذون من هذه الملاحق ساحة لاستعراض معرفتهم النقدية واهتماماتهم النظرية. وكان من النادر أن تجد بين هؤلاء الكتاب من يأخذ في حساباته وهو يصوغ مقالته أن نشرها في الصحيفة يعني أن تخضع بالضرورة لمتطلبات التلقي الصحفي.

وعلى الرغم من أن الملاحق الثقافية غرقت في خطاب أدبي دقيق يهم فئة قليلة من المتخصصين، فإنها لم تفلح في أن تحوز رضا فئة عريضة من الجامعيين الذين ظلوا ينظرون إليها باعتبارها مقاما صحفيا غير جدير بالتقدير. وعلى هذا النحو أفضى الواقع بهذه الملاحق إلى أن تخسر كلا من القارئ العام والقارئ المتخصص ولكن لأسباب مختلفة.

ماذا تبقى لها إذن؟

الجواب الأقرب إلى الأذهان، هو أنها ستظل مساحة للكتابة غير المقروءة، أو فضاءا يؤثثه كتاب لا يخطر في بالهم أن القارئ العادي قد نعلمه كيف لا ينتزع الملحق من ثنايا الصحيفة كما ينتزع النواة من التمر، نعلمه كيف يقرأ الأدب والنقد كما يقرأ أخبار السياسة والفن والرياضة. إن على الكاتب ببساطة أن يتخلى عن ذاته قليلا إذا أراد أن يتواصل مع غيره.

حديث الجامعة1 دفاع عن النقد الأدبي" التقليدي"!


يمكننا أن نتحدث بقدر من التعميم والتجوز في موضوع تدريس الأدب ودراساته في الجامعات العربية منذ بداياتها الأولى حتى الآن، عن فريقين عريضين واتجاهين أساسين أسهما في تكوين آلاف الخريجين، على نحو ما أسهما في تشكيل الثقافة الأدبية في واقع البلدان العربية؛ فريق يوصف بأنه تقليدي وقديم، وفريق يوصف بأنه حداثي ومعاصر. وبين الفريقين صراع يعلو أحيانا ويخفت في أكثر الأحيان. ولن يستطيع أحد أن يثبت داخل الجامعة الغلبة لهذا الفريق أو ذاك، أو يدعي لأحدهما الحق في الوجود دون الآخر. صحيح أن المناهج النقدية الحداثية اكتسحت في العقود الأربعة الأخيرة مقررات الدرس الجامعي والرسائل والأطاريح الجامعية، على نحو ما اكتسحت الممارسة الأدبية في معظم المجلات والمنشورات التي تصدر في البلاد العربية، ونجحت في اكتساح مقررات المدارس الثانوية. ولكن هذا الاكتساح لم يوقف مع ذلك استمرار الاتجاه الموصوف بالتقليدي عن ممارسة وظيفته العلمية في الجامعة. ولا شك أن وراء هذا الاستمرار أسبابا أعمق مما يمكن أن يستنتجه الفهم المتعجل. لعل أحدها يؤول إلى إخفاق الاتجاه الحداثي في خلق ممارسة أدبية حقيقية قادرة على الإزاحة والتجاوز وترسيخ البديل.

وإذا كان المقصود بالاتجاه الحداثي عادة النقد الذي رفع شعار الصرامة العلمية، فإن كل الاجتهادات النقدية الأخرى، على الرغم من عمق أسئلتها وأدواتها تظل تقليدية من هذا المنظور، مادامت لم تأخذ بأسباب الصرامة العلمية. على هذا النحو يتسع النقد التقليدي ليشمل كل الخطابات النقدية التي تبلورت خارج دائرتي النموذجين اللساني البنيوي وما بعد البنيوي.

صحيح أن أقطاب الاتجاه الحداثي رفعوا شعارات براقة ووضعوا يدهم على الداء الذي أصاب الممارسة النقدية عندما حولها بعض النقاد "التقليديون" إلى خطاب يعنى بسياق الأعمال الأدبية بدل هذه الأعمال نفسها في بعدها الأدبي. غير أنه ليس كل النقد التقليدي الذي ثار عليه الاتجاه الحداثي هو من هذا القبيل الذي حول الأدب إلى وثيقة. فالنقد التقليدي لا يشكل خطابا موحدا. وربما كان المقصود به-في الجوهر- من منظور الحداثيين مجموع الاجتهادات التي لم يعن فيها أصحابها بقضية المنهج عنايتهم بتفسير الأعمال الأدبية نفسها وتأويلها. وفي سياق هذا التفسير تحديدا يكون النقد الحداثي قد جانب الصواب وضل السبيل؛ فقد كان دفاعه عن الأدب باسم المنهج وباسم الصرامة العلمية إعلانا عن التضحية بالأعمال الأدبية لصالح ما سمي بعلم الأدب؛ أي القواعد والنظريات والنماذج.

على هذا النحو يصير النقد التقليدي غير المفتون بالمنهج-على تباين أنظاره ومقارباته- أقرب إلى روح الأدب وعموم القراء من النقد الحداثي، مما يدفعنا إلى رفض التصنيف القيمي لدارسي الأدب إلى فئة التقليديين وفئة الحداثيين.

ولعل الأنسب أن نتحدث بدلا من ذلك عن دراسات نقدية أدبية ودراسات لا صلة لها بالنقد الأدبي. ما هو الخطاب النقدي الذي يخدم الأدب وما هو الخطاب النقدي الذي يخدم نفسه!

حوار مع محمد أنقار "الهوى المصري بعضٌ من كياني"



الكاتب الجوال

محمد مشبال

لاشك أن رواية المصري رواية حوارية من الطراز الأول؛ أي إنها نسجت عالمها التخييلي في سياق تحاورها مع مجموعة من النصوص السردية التي شكلت تراث الرواية الإنسانية. ولعل شخصية أحمد الساحلي أن تمثل نموذجا إنسانيا يكتسب غناه في التقائه مع شخصيات الأدب العالمي وافتراقه عنها.إن تفكيرك في هذه الشخصية لم يكن استثمارا للتجربة الحياتية فقط ولكنه كان أيضا تأملا وقراءة في نماذج إنسانية صاغتها مخيلة الروائيين في تاريخ الإبداع الروائي. ومن الواضح جدا أن رواية المصري استلهمت رواية ثربانطيس "ضون كيخوطي" في سمات عدة، ولكن ما يخطر في البال لأول وهلة هو ذلك الإطار السردي العام المتشابه بين العملين؛ أعني خروج "ضون كيخوطي" ساعيا إلى تحقيق ما قرأه في كتب الفروسية وخروج أحمد الساحلي ساعيا إلى التقاط مادة للكتابة الروائية، وكل منهما يصاب بخيبة الأمل التي تؤدي إلى الإحساس بالنهاية. ولكن بين الشخصيتين اختلاف واضح في السمات أبرزها أن أحمد الساحلي شخصية تراجيدية تشعر بالخيبة والعجز والضعف والنهاية الوشيكة بينما لم يكن ضون كيخوطي العائش في الوهم يشعر بالذنب أو الخطأ أو المسؤولية؛ إنه شخصية هزلية تثير أجواء الضحك والبهجة بعيدا عن أي طابع تراجيدي.باختصار إن رواية المصري تستعيد رواية المغامرة بطريقة ساخرة كما فعل ثربانطيس هو الآخر بطريقته.نريد أن نعرف لماذا هذه المحاكاة لعمل يعد من الأعمال التي شكلت نشوء الجنس الروائي في الأدب الإنساني؟

محمد أنقار.

" المصري " هي رواية الحوار بمعناه الواسع. إنها عمل يحاور عديدا من النصوص السردية العالمية والعربية مثلما يحاور الرواية المغربية ذاتها.وفضلا عن ذلك تحاور رواية "المصري" الحياة البشرية نفسها بمختلف نماذج شخصياتها وأنماط السلوك والأمزجة. وهي تفعل ذلك أحيانا بطريقة صريحة عندما تستحضر أسماء بعض الروائيين وأعمالهم من قبيل نجيب محفوظ وغابرييل غارثيا ماركيث وإميل زولا. إلى جانب كل ذلك ثمة درس التحاور بين مختلف أنماط الإبداع الذي تعلمته في مرحلة الكتابة الإبداعية والنقدية المتأخرة وإن كنت قد استشعرته بطريقة ساذجة وصلت إلى حد التقليد في كتابات مرحلة الشباب خلال الستينات.وحسب رأيي فإن اصطلاح الحوار أو التحاور بين أنماط الإبداع الإنساني ونصوصه أدق من مصطلح التناص الذي قد يوحي لفظيا بالمضاهاة الحاسمة أو المحاكاة الجازمة بين نص أدبي سابق وآخر لاحق.ذلك أن المبدع المتأخر عادة ما لا يصبو إلى استلهام النص القديم بوصف هذا النص خشبة أو مادة جامدة، وإنما من حيث هو عمل إنساني مضمخ بماء الحياة. لذلك أرى أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن التناص حديثا علميا قطعيا. والأرجح في هذا المضمار الحديث عن حوار أدبي وإنساني رحب بين نصوص الإبداع العالمي.

أما بخصوص استلهام " المصري " رواية "ضون كيخوطي" فذاك أمر لا يمكن أن يخفى عن كل ناقد أو قارئ للرواية العالمية. إن "ضون كيخوطي" تمثل أسلوبا عتيدا ضمن أساليب الرواية والحكي الإنساني في عمومه؛ الأسلوب الذي يصور خروج البطل إلى المجتمع والطبيعة والحياة ذاتها من أجل طلب المغامرة، مدفوعا بحافز أو حوافز إنسانية يصعب تحديد معالمها بدقة تامة. وما من شك في أن صيغ تصوير هذا الحافز تتباين بحسب تباين الروايات والكتاب. ومع ذلك يظل ثمة دوما حافز وخروج وتصوير. وفي رأيي أن ماهية النوع الروائي تتحقق في المسافة القائمة بين مرحلتي "الحافز" و"الخروج".والواقع أن مظاهر هذا الأسلوب وملامحه الأولى قد تجلت في أعمال سردية قبل "ضون كيخوطي" لعل أبرزها " ألف ليلة وليلة " التي يمكن اعتبارها نموذجا فذا لتصوير مغامرات " الخروج " التي تقف وراءها حوافز شتى ليس بينها، بالضرورة، حافز تطبيق المقروء المستخلص من كتب الفروسية. لكن في مقابل ذلك تظل في " ألف ليلة وليلة " حوافز الجنون والخوارق والوهم والإحساس القوي بنبض الحياة.وهكذا حكت "ألف ليلة وليلة " ركاما من الحكايات من أجل تصوير عمليات " الخروج " وتشخيص الحوافز التي تقف وراءها. ولقد أبقى ثربانطيس على خطة إركام الحكايات المستمدة بوضوح من " ألف ليلة وليلة " وركز على حافز بعينه استشرفه من المعين الحياتي للواقع الغربي المتمثل في تأثير روايات الفروسية، ومن خلال كل ذلك عمل على تشذيب خوارق " ألف ليلة وليلة " وتعويضها بخارق أساس هو حالة الوهم التي تمكنت من ضون كيخوطي.وما من شك في أن هذه النقلة الجمالية من " ألف ليلة وليلة " إلى " الكيخوطي " هي التي أسهمت إلى حد بعيد في نشأة الشكل الروائي الغربي في صورته الحديثة.

تلك بعض أسرار الحكي في رواية "الكيخوطي" وما قبلها. ولقد حاولت رواية "المصري " أن تستلهم بعضا من تلك الأسرار لكن بأساليب غير مباشرة ومفارقة في نفس الآن. و لا أريد في هذا المقام أن أكشف مظاهر وتفاصيل تلك العلاقة الجمالية الملموسة، و إنما سأترك تلك المهمة للنقاد. ولكن في مقابل ذلك سأكتفي بالإجابة عن السؤال العام المطروح عليّ فأقول إن سبب هذه "المحاكاة" هو الرغبة في الكتابة على منوال نهج سردي قديم يراعي متعة الحدوتة بما فيها من حيوية ومغامرة وتشويق. وأنا أعلم جيدا أن هناك، بالطبع، النهج السردي الآخر المعاصر الموجود الذي يدعو إلى التشظية وتغييب الحدوتة. ومن البيّن أن المبدعين أحرار في اختيار أحد النهجين دون الآخر. أما بالنسبة إليّ فقد مِلت منذ عهد الشباب إلى حكي الحدوتة وكتبت في ضوئه قصصي القصيرة ورواية "المصري ".

أما بخصوص التشابه والاختلاف بين شخصيتي ضون كيخوطي وأحمد الساحلي فأرى أن وحدة "الخروج" متحققة لديهما معا على الرغم من اختلاف "موضوع" ذلك الخروج عند كل منهما والحافز الذي يقف وراءه.بيد أن عنصر الكتب يجمع بين الرجلين بصيغة أو بأخرى. ومع ذلك أرى أن مأساة أحمد الساحلي أخطر من مأساة البطل المانشي الذي يغامر وهو على يقين تام بأن ما يقوم به هو عين الحقيقة، في حين يعي الساحلي جيدا أن مغامرته واهية من الأساس، كما يدرك جيدا ثغراتها واحتمال فشلها. لذلك فهو شقي بوعيه، في حين كان ضون كيخوطي سعيدا بعدم وعيه. وربما كانت علة هذا الفرق تكمن في كون الساحلي ينتمي إلى عصر وبيئة لم تعد فيهما نشأة الجنس الروائي مطروحة ولا هي مطروحة مسألة الأنواع الروائية " القاتلة ". ذلك أن جنون الكيخوطي له ارتباط وطيد بتأصيل جنس الرواية في الأدب الغربي وكذا بإدمان "نوع" من أنواعه. وهكذا يبدو كأن رواية ثربانطيس تحذر من كتابة وقراءة نوع روائي بعينه. وهو بقدر ما يعمل على تثبيت الجنس الروائي في التربة الغربية يدعو في الوقت ذاته إلى استثمار أنماط أخرى من السرد لكي لا يظل هناك احتكار ضار لنوع محدد. وفي هذا السياق لابد من الإشادة بالطفرة الجمالية الرائعة التي حققها أمبرتو إيكو بروايته "اسم الوردة" التي أفلح من خلالها في الكشف عن الخطورة " القاتلة " للنوع المسرحي الموسوم بالكوميديا. لقد أنجز إيكو تلك الغاية بواسطة السرد الروائي. بيد أن ماهية السرد الروائي لم تكن غايته عكس ما كان عليه لدى ثربانطيس. ومع ذلك فإن خطوة إيكو حسب رأيي تكاد توازي خطوة ثربانطيس في مجال الكشف عن الخطورة التي تكتنف بعض الأجناس والأنواع الأدبية. ويبدو لي أن الغرب قد تجاوز الخوض في مثل هذا الإشكال من خلال عديد من روائع روايات المكان، في حين لا تزال الرواية المغربية بصدد البحث والتجريب على الرغم من كثرة النصوص التي كتبت عن الأمكنة المغربية لكنها لم تجب بعد عن السؤال المعلق. وتحاول تجربة أحمد الساحلي أن تمضي في هذا السبيل المغامر. أما مسألة توفقها أو عدم توفقها فيما ابتغته فأمر متروك مرة أخرى للنقاد.

الهوى المصري

محمد مشبال.

على الرغم من ثقافتك الإسبانية وقراءاتك في الرواية العالمية ومشاهداتك للسينما الغربية، فإن الثقافة المصرية المتمثلة في الآداب والسينما والموسيقى والرسم والفكر، تعد أحد الروافد المهمة في تكوين شخصيتك العلمية ومخيلتك الإبداعية.أريد أن تحدثني عن الآثار التي كانت تحدثها هذه الثقافة في نفسيتك ووعيك في فترة مبكرة من حياتك؟ ولماذا لم تنجح ثقافتك الإسبانية والغربية عموما أن تنزع من وجدانك الولع بعالم الثقافة المصرية وتتخلص من فتنتها؟

محمد أنقار.

ولدت في شارع من شوارع النيّارين بحيّ الطرانكات العتيق قبل أن تنتقل العائلة بالسكنى إلى حي الباريو المفتوح على الهواء والشمس.ولقد قضيت في النيّارين حوالي ثلاث أو أربع سنوات من طفولتي الأولى قبل أن يتم الانتقال. ولكن يجب أن أعترف بأن سمات تلك السنوات القليلة قد انطبعت في أعماقي إلى الأبد وكيفت مزاجي وشخصيتي إلى يومي هذا. ولعل أبرز السمات تلك التي كانت لها صلة بالغناء المشرقي عامة والمصري خاصة.وبذلك كانت الثقافة المشرقية سباقة إلى التأثير فيّ قبل الثقافة الإسبانية التي سأحتك بها لاحقا في حارة باريو مالقة.

كان شارع أحمد بن عمرو حيث ولدت ينفتح على مقهى شعبي قريب. ومن صور تلك الحقبة الراسخة في الأعماق في أواخر الأربعينات وقوفي الطويل عند نهاية الشارع منكمشا في جلبابي الصوفي الأبيض، متأملا المقهى في صمت، معاينا زبناءه على بعد حوالي ستة أو سبعة أمتار، منصتا إلى أغانيه المشرقية، والمصرية على وجه التحديد مع بعض الأغاني المغربية الصادرة عن صندوق الراديو. لكن الألحان التي كانت تطغى وتهيمن مصرية. وبالطبع لم أكن أستطيع في تلك الفترة وأنا طفل الكُتّاب أن أميز بين ولحن ولحن، و أغنية وأغنية، و إنما كان حدسي يشتغل بحدة؛ يدي داخل الجلباب الصغير، ورأسي مغطى بالقب، والألحان المصرية تتعاورني وتفتك بجسمي الفتي. وسأعرف لاحقا عندما أكبر أن الأمر كان يتعلق بألحان وغناء زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وسيد درويش ورياض السنباطي ومحمد القصبجي ومحمد الكحلاوي وسأدرك فيما بعد أن ذلك كان أول مظهر من مظاهر احتكاكي بالفنون بعد المظهر الأول المتمثل في استماعي إلى الحكايات الطويلة لعمي عبد العزيز رحمه الله.

كان الغناء والألحان المصرية يتسرب إلى كياني من خلال مسام جلدي. بمعنى آخر لم تكن الموسيقى المصرية أحاسيس عابرة بالنسبة إلي، وإنما كانت تتسلل مباشرة إلى أعمق أعماق الكيان.فلقد ولدتُ بحساسية مرهفة جدا، وكانت هذه الحساسية شديدة التأثر بكل ما هو جميل وفاتن وصادق ومتقن الصنع. وبالطبع لم أكن في تلك الفترة المبكرة جدا من عمري أفهم شيئا أو أدرك مجريات الأمور إنما كانت حساسيتي هي التي تهديني نحو كل فاتن منساب فأنساق معه من دون وعي، ولكن بتأثر شديد.

لكل ذلك كان من الصعب جدا على شخصيتي أن تتخلص فيما سيأتي من أيام من تأثير الغناء المصري الذي سينضاف إليه تأثير الأناشيد الوطنية المغربية والمصرية التي كان يحفظها لنا المرحوم ورياش، ثم تأثير أساتذة البعثة التعليمية المصرية خلال دراستي الثانوية، وأخيرا تأثير الكتب والمجلات والأفلام المصرية.

بعد مرحلة الكتاب دخلتُ المدرسة الابتدائية وأنا صبي في الباريو. وفي المدرسة الابتدائية ستبدأ التأثيرات الغربية عامة والإسبانية بصفة خاصة. ولقد أحسنتَ التعبير عندما قلت إن الثقافة الإسبانية لم تفلح في أن تنتزع من وجداني الولع بالثقافة المصرية. ومازلتُ أتذكر أننا بدأنا ندرس اللغة الإسبانية منذ السنوات الأولى في التعليم الابتدائي إلى جانب اللغة العربية. لذلك وجدت الثقافة الإسبانية في أعماقي مكانها جنب الثقافة المصرية من دون أن ينجح أي منهما في أن يمحو الآخر.

محمد مشبال.

يومئ عنوان روايتك" المصري" وعنوان مجموعتك القصصية الأولى"زمن عبد الحليم" إلى الحضور البين لظلال الثقافة المصرية في مخيلتك.إنهما تعبيران بلاغيان عن ذلك الانصهار الذي حدث للمثقف المغربي في عوالم الثقافة المصرية،وعن حنين إلى زمن هذه الثقافة على نحو ما انطبع في أذهان ووجدان المثقفين المغاربة وكيَّف أحلامهم.لقد صورت رواية المصري أحاسيس المثقف المغربي وانطباعاته المفعمة بالحلم المشرقي وصور الثقافة المصرية؛ أي إنها صورت أحد أهم مكونات الشخصية المغربية.هل يعني هذا أن رواية المصري رامت التواصل مع الواقع بشكل أكثر صدقا وإقناعا عندما قالت ما لا يقوله الواقع الثقافي؟

محمد أنقار.

لن أستطيع مهما حاولت نكران التأثير المصري في مخيلتي وسلوكي وحتى في صياغة جملي وكتابة خطي ونمط الحياة الثقافية الذي اخترته أولا بتلقائية ثم بوعي بعد تقدم العمر. أما بخصوص سؤالك الدقيق جدا فأقول إن النقد الروائي هو الجدير بالإجابة عنه. لكن على الرغم من ذلك يمكن أن أقدم بهذا الشأن بعض التوضيحات التي لن تتسرب إلى تفاصيل الحبكة الروائية ولا إلى فضحها.

لقد قصدت إلى أن تكون " المصري " رواية الحياة وليس رواية الصنعة الأدبية وكفى. لست أدري مدى توفيقي أو عدم توفيقي في تحقيق هذه الغاية. وبصيغة أخرى أكثر اتساعا أقول إن كل ما أكتبه أريده أن يكون نابضا بالحياة صادقا في تصوير أحاسيسها وعواطفها. وحيث إن الهوى المصري بعضٌ من كياني كما سبق أن أوضحت؛ فقد صبوت إلى أن أصفّي حسابي الجمالي مع هذا المكون الثقافي الذي كيّف ثقافة جيلي وأسهم بحدة في تشكيل مزاجه ونموذجه الحياتي.أتذكر أننا عندما كنا طلبة في كلية آداب فاس في الستينات كنا ندمن الإنصات إلى الراديو. نتابع من خلاله أدق تفاصيل الحياة الثقافية والفنية في مصر، وآخر أغاني أم كلثوم وعبد الحليم ومحمد رشدي. نستمع إلى برنامج " شارع الصحافة " يوميا لكي نكون على بيّنة بما يقع في مصر من أحداث ثقافية. وفي المساء نتسابق على مكتبات حي الطالعة من أجل الظفر بالعدد الأخير من " المجلة " أو "الهلال" أو "الآداب". ولقد حفظ وجوهنا أصحابُ المكتبات، حتى إذا ضاع منا عدد ولم نحصل عليه سهل علينا أن نعرف من "خطفه" من السوق مادام مدمنو الصحافة الأدبية المشرقية مشهورين بين طلاب كلية آداب فاس في تلك الفترة. ثم كانت هناك كتب النقد الموسيقي والتشكيلي والمسرحي والسينمائي. بمعنى آخر إن ازدهار الصحافة الأدبية والفنية وعموم الثقافة المصرية قد وافق بدرجة كبيرة تفتح جيلي على الحياة نفسها، فكان أن زودنا هذا المصدر بما تتوق إليه عقولنا وتهفو إليه نفوسنا، فنهلنا وكان النهل يسهم في تشكيل شخصياتنا من حيث ندري أو لا ندري. لقد كانت محطة ثقافية يستحيل تجاوزها أو تناسيها. لذلك لم يكن من المنطقي أن أغض الطرف عن كل هذه التأثيرات حينما عمدت إلى كتابة رواية " المصري ". والحق أنني لا أود أن أدين واقعنا الثقافي إن هو تجاوز دور المكون المشرقي في تشكيل رؤانا و تصوراتنا. و عندما أسمع مثقفا أو سينمائيا مغربيا ينكر بجرة قلم أثر ذلك المكون أقول في نفسي إنه معذور مادامت ظروفه الحياتية والثقافية لم تتح له فرص التمرس بمظاهر الثقافة المشرقية عامة والمصرية خاصة.

محمد مشبال.

إن رواية المصري لا تعبر عن أهمية الحضور المصري في ثقافة الإنسان المغربي ومخيلته فقط ولكنها فيما يبدو تصحح وتنتقد وضعا ثقافيا عاشه المبدع المغربي الذي يبدو وكأنه مارس إبداعه الأدبي والفني مغيبا صوت الإبداع المصري. عندما نقرأ"المصري" في سياق الأعمال الروائية المغربية، أو على الأصح عندما نتأمل تجربة أحمد الساحلي الأدبية نشعر أن ثمة فرقا بينها وبين التجارب الروائية المغربية التي أنجزت حتى الآن.هل تريد "المصري" أن تقول لنا إن المخيلة الروائية المغربية لم تفلح في استثمار ذلك الثراء الأصيل من التواصل الأدبي والثقافي والوجداني بين المغرب ومصر؛ أي إن هذه المخيلة لم تكن صادقة مع نفسها ومع تاريخها عندما لم تدخل في حوار خلاق مع النموذج الإبداعي المصري الذي شكل جزءا من وجدان المثقف المغربي وذاكرته؟

محمد أنقار.

أخاف أن أظلم الرواية المغربية إذا قلتُ إنها لم تكن صادقة مع نفسها ومع تاريخها عندما لم تدخل في حوار مع النموذج الإبداعي المصري. وكما يمكن أن يفهم من جوابي عن النقطة السالفة؛ ربما كانت لدى عديد من المبدعين المغاربة مصادر استلهام أخرى غير النموذج المصري، أو إنهم استلهموه بطرائقهم الخاصة حسبما يمكن رصده لدى غلاب وابن جلون وبرادة ورشيد يحياوي وسواهم. صحيح أن معظم الروائيين المغاربة قد استفادوا كثيرا من جماليات الرواية المصرية إلا أنهم لم يضعوا بعدُ النموذج المصري نصب أعينهم بوصفه موضوعا جماليا يقتضي تحاورا. ثم لا يجب أن ننسى أن عمر الرواية المغربية قصير جدا، وأن أنماط التجارب والمدارس الفنية التي تمرسنا بها محدودة هي الأخرى مما قد يعني أن الباب لا يزال مفتوحا أمامنا جميعا من أجل أن نترع من هذا المنبع الثرّ.

محمد مشبال.

يمثل أحمد الساحلي شخصية مشتقة من واقع مدينة تطوان بجغرافيتها وقيمها الاجتماعية، على نحو ما يمثل شخصية مشتقة من الثقافة المشرقية المصرية؛ إنه مزيج مركب من التواصل الثقافي المغربي المصري الذي وسم حياتنا الثقافية المغربية.هل نستطيع القول إن " المصري " عمل روائي يصور تاريخ الوجدان المغربي المفعم بظلال الثقافة المصرية؛فقد بدت مخيلة أحمد الساحلي وإرادته الإبداعية وأحاسيسه الداخلية وكأنها تستمد نشاطها وقوتها وموضوعها من العوالم السحرية والصور الفاتنة التي خلقتها الآداب والفنون المصرية الحديثة في وجدان المثقفين المغاربة. هل يمثل أحمد الساحلي نموذجا للمثقف المغربي الذي سعى إلى تحقيق ذلك التواصل التاريخي على مستوى الإبداع الروائي ؟

محمد أنقار.

أتفق معك على أن أحمد الساحلي يمثل نموذجا للمثقف المغربي الذي صبا إلى تحقيق التواصل التاريخي والروائي مع واقع الثقافة المشرقية والمغربية. والحق أنه نموذجي أنا ونموذج عديد من أفراد جيلي كما سبق أن أوضحت ولكن من دون أن نعمّم. إن أحمد الساحلي غارق حتى أذنيه في بحر الثقافة المصرية لأن أبرز أساتذته في الثانوي كانوا مصريين، ولأن ثقافة الراديو والكتب والمجلات التي وجدها في متناول يديه حينما انفتح على الدنيا كانت ثقافة مصرية. وحتى تطوان نفسها في عِقدي تفتحي خلال الخمسينات والستينات كانت غارقة هي الأخرى في بحر تلك الثقافة. فالهجرة إلى مصر من أجل متابعة الدراسة أمل. وتقليد بعض المجلات التطوانية مثل الأنيس والأنوار والعلوم والفنون مجلات مصر، شكَّل نزوعا لدى بعض رواد النخبة المثقفة. واستقبال الشخصيات المصرية المرموقة في تطوان عيد. ثم لا يجب أن ننسى مقتضيات الحركة الوطنية المغربية التي ارتبطت منذ بداياتها بمصر. وتحاول شخصية أحمد الساحلي أن تصور كثيرا من تلك التفاصيل، ولكن الساحلي يظل على الرغم من كل ذلك نموذجا روائيا مغربيا من بين نماذج عدّة تحتاج إلى مزيد من التأمل والتصنيف.

محمد مشبال.

لقد ساد طوال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي شعور عام عند الأجيال المغربية الشابة من مثقفين ومبدعين أن الثقافة المصرية غير مجدية في ظل سيادة قوية لمرجعية الثقافة الغربية الفرنسية التي اكتسحت أفكارها ومناهجها الجديدة الجامعات المغربية بشكل لافت للنظر. على هذا النحو لم يعد الباحثون المغاربة ينظرون إلى الثقافة الوافدة من الشرق نظرة الإعجاب التي كانت من قبل. فالقاهرة لم تعد مركزا علميا يجذب الطلبة المغاربة الممنوحين، ولم يعد نجيب محفوظ يتمتع بالجاذبية التي تمتع بها في الستينات، ولم يعد الكتاب النقدي المصري يثير اهتماما يستحق الذكر، وأضحت السينما المصرية مثالا للسخرية والتندر بعد أن سحرت القلوب،وترك رحيل عمالقة الغناء المصري فراغا شغلته الفرق الموسيقية الغربية.باختصار شهدت هذه الفترة أفول عصر الثقافة المصرية في المغرب على الرغم من النجاح الذي كانت تحققه الدراما التلفزيونية في جميع الأقطار العربية.هل كان في نظرك هذا الموقف من الثقافة المصرية يعبر عن حاجة ضرورية للتخلص من هيمنة نموذج مشرقي متهالك أم كان موقفا خاطئا تم فيه إهدار مكون جوهري في الثقافة المغربية كان علينا أن نتحاور معه؟ أريد أن أعرف قراءتك لهذا التحول في علاقة المثقف المغربي بالإبداع الثقافي المصري؟

محمد أنقار.

حدث بالفعل تحول في الموقف من الثقافة المصرية خلال الثمانينات والتسعينات. كانت آثار العولمة تزحف على الجميع ولا تُبقي على الاستثناءات. والحق أن الحنين الذي يشعر به جيلي نحو أعلام الأدب المصري "القدامى" لم يفتر إلى يومنا هذا. إنه حنين يجعلنا في حالة انتظار مستمرة لظهور عَلَمٍ آخر اليوم في مستوى العقاد أو طه حسين أو عبد الوهاب أو صلاح أبو سيف ومن إليهم. بيد أن تراجع مستوى المجلات الأدبية المصرية وارتباك الحركة النقدية قد جعلانا نشعر بكثير من الأسى. وكما تعلم فإن متابعتنا المستمرة لجريدة " أخبار الأدب " تندرج في سياق هذا الحنين الحزين، وكذلك الشأن مع القنوات التلفزية المصرية التي نشغّلها بدافع الوهم الذي يجعلنا ننتظر أن نشاهد من خلالها يوميا صور نجيب محفوط وبالطبع لا يحدث ذلك. . فالفورة قد فترت بينما الأمل معقود باستمرار على عودة الروح.

هذا فيما يخص جيلنا. أما الأجيال الجديدة التي لم تحتك مثلنا بالنموذج المصري احتكاكا قويا فلها اعتباراتها الأخرى التي لا يلزم بالضرورة أن تنطبق علينا. وأظن أنه لا يجب الحديث عن "التخلص" أو "الخطأ" قدر ما يجب أن نتحدث عن معضلة واقعنا الثقافي التي لا تكاد تُفهم. ولقد سبق أن أشرت قبل قليل إلى تأثيرات العولمة الشاملة مما يعني بالنسبة إلى الأجيال الجديدة وفرة النماذج الثقافية وتنوعها وتناقضها. لقد كانت مصر بحكم ظروف ثقافية خاصة سباقة إلى ريادة النهضة الثقافية الحديثة كما نعلم جميعا. لكن منطق العولمة والسوق والربح السريع يكاد يسوي اليوم فيما بيننا. بل يمكنني أن أقول في هذا المضمار إن الثقافة المغربية نفسها يمكن اليوم أن تغدو نموذجا ثقافيا له سماته المميزة لو أحسنا تسويقه وعرضه وتقديمه. لكل ذلك يمكننا أن نتحدث عن التحولات وليس عن "الأخطاء" أو "تصفية الحسابات" مع النماذج الثقافية التي سادت ومازالت تسود.

معضلة نجيب

محمد مشبال.

لنجيب محفوظ مكانة خاصة عندك على الرغم من أنك لم تترجم شغفك به إلى دراسات نقدية منشورة . هل نستطيع القول إن إحدى غايات رواية "المصري" ، التعبير عن الشغف الروحي الذي تكنه لهذا الكاتب المصري على مدى أكثر من أربعين سنة؟

محمد أنقار.

هو بالفعل شغف روحي قديم؛ فقد كتبت رواية "المصري" من أجل تصوير بعض هذا الشغف الذي أكنه لنجيب محفوظ منذ أن كنت تلميذا في المرحلة الثانوية. ولقد حاولت في تلك الرواية أن أصف أول لقاء لي مع إبداع نجيب محفوظ من خلال قراءة روايته"القاهرة الجديدة"، وأعترف لك في هذا الصدد بأن معظم ما جاء في ذلك الوصف في رواية "المصري" حقيقي إلى حد بعيد، مع التحويرات التي اقتضتها بالطبع الضرورة التخييلية.

وبعد أن تخرجت في سنة 1967 أستاذا للطور الثاني وعينت في ثانوية التقدم بالقنيطرة صادفت أن كانت رواية "زقاق المدق" مقررة على طلبة البكالوريا في مادة "دراسة المؤلفات"، فأقبلت على قراءتها وتشريحها بنهم شديد تغلغل إلى تفاصيل النص وحياة صاحبه وشمل إحصاءات أسلوبية دقيقة. أما الحصيلة فقد كانت دراسة مفصلة طبعتها بالإستانسيل ووزعتها على طلبتي لكي تساعدهم على السيطرة على المادة المقررة في الامتحان.ولقد كان بإمكاني أن أنشر ذلك العمل في حينه مثلما نشر بعض الأساتذة دراسات حول نصوص تلك المادة وكانت تشمل فضلا عن "زقاق المدق"كتاب" حياتي "لأحمد أمين و"حي بن يقظان" لابن طفيل. غير أني أحجمت عن النشر نظرا إلى القناعة التي ستلازمني طوال حياتي التدريسية التي أملت عليّ مبدأ عدم نشر الكتب ذات الطابع المدرسي أو التعليمي.

والحق أن الشغف بنجيب محفوظ لم يقف عند حد الإعجاب به إعجابا سلبيا أو إعجابا محدودا فحسب لم يكد يظهر إلا في رواية " المصري "، بل إنه شغف تجاوز كل ذلك إلى مرحلة الكتابة النقدية عن هذا العبقري. بيد أن الكتابة للأسف الشديد لم تُشفع لدي بالنشر. ومن المؤكد أنك على علم بفترة صمتي الطويل جدا التي "صُمتُ" خلالها عن النشر مدة تقرب من عشرين سنة. لكن خلال تلك الفترة تابعت قراءة أعمال نجيب محفوظ وكذا معظم النقد الذي كتب حولها. ثم كنت أسجل انطباعاتي عن الرواية ونقودها في شكل مقالات لا تزال إلى الآن مسودات. أما في مرحلة التدريس بالجامعة فقد درّست لطلبتي خلال بعض المواسم رواية "حضرة المحترم" ورواية " أفراح القبة " وصورا من روايتي "القاهرة الجديدة" و"اللص و الكلاب". وأملي أن أتمكن بمشيئة الله أن أجمع كل تلك المقالات بين دفتي كتاب على أساس أن يتحقق الانسجام فيما بينها نظرا إلى أنها كتبت بصورة متقطعة في فترات طويلة تمتد إلى حوالي أربعين سنة.

محمد مشبال.

على الرغم من أن رواية المصري تصور مظهرا من مظاهر شغفك بنجيب محفوظ وبعالمه الروائي ولو أن هذا الشغف ينبغي أن يفسر في السياق التخييلي للرواية؛ أي باعتباره سمة من سمات شخصية أحمد الساحلي، لكن هذا لا يمنعنا من القول بأنك تعبر في هذه الرواية عن شعور حقيقي يشاطرك فيه كثير من المثقفين المغاربة.لكن مع ذلك يظل شغفك بنجيب محفوظ تجربة ذاتية خاصة، إنه يختلف عن شغف أحمد الساحلي وعن شغف محمد برادة وشغف جمال الغيطاني وغيرهم.ما هي صورة نجيب محفوظ كما ترسخت في ذهنك من خلال قراءة أعماله وتحليلها في قاعات الدرس والتقاط أخباره وتصريحاته؟

محمد أنقار.

أتذكر جيدا أنه في نهاية الستينات وما بعدها بقليل كان مفهوم الإبداع الحقيقي يرتبط بصورة ما بمفهوم الفتوة. بمعنى أن التلاميذ وشرائح كبيرة من المثقفين وحتى عموم المهتمين كانوا يتصورون أن المبدع الحق هو ذاك الذي يبرّز في مجال إبداعه بقوة تسكت الآخرين وتفحمهم. هكذا كنا نتصوّر مارون عبود والعقاد والمنفلوطي وزكي مبارك وطه حسين وعبد العزيز البشري ثم نجيب محفوظ نفسه أبطالا لأنهم استطاعوا وصف الوقائع الفكرية أو الخيالية بقوة شديدة وحاسمة. ولم تكن تلك القوة تتمثل في المضامين والموضوعات التي يختارونها لكتبهم، أو المواقف التي يصفونها وإنما حتى في الأساليب التي يعتمدونها والعبارات التي ينتقونها لأداء مثل تلك المهمات التعبيرية. بل أكثر من ذلك أن بعض مظاهر تلك القوة تجلت في الصور الفوتوغرافية لشخصيات هؤلاء الكتاب.ولك أن تستحضر في هذا المضمار صور عبّود والمنفلوطي والعقاد ونجيب نفسه. هكذا رسخت صورة نجيب محفوظ في أذهاننا بوصفه بطلا أو فتوة حقيقيا. ومما زاد في ترسيخ تلك الصورة وسائط الإعلام المصرية المكتوبة، خاصة المجلات، ولك أن تسأل اليوم بعض المعلمين المغاربة القدامى عن صورة نجيب محفوظ كما ترسخت في أذهانهم لتسمعهم يرددون أوصافا من قبيل "العفريت" و"الشيطان" و"الفتوة" وما إلى ذلك من أوصاف الإعجاب المستمدة من الصور الشعبية التي سادت عن هذا الكاتب قبل أن تكون مستمدة من مؤلفاته. ولا يجب أن تنسى أننا كنا نتابع دراستنا الثانوية في بناية المعهد الرسمي بتطوان التي كانت تشمل المكتبة العامة بالمدينة حيث إن بابها يكاد يحاذي باب المعهد. لذلك كنا نلج قسم الصحافة في تلك المكتبة خلال الساعات الفارغة فنُقبل بشغف شديد على المجلات والجرائد المصرية نقرأ فيها أخبار الأدباء والفنانين المصريين ونتمعن في صورهم الشخصية وقد بدت لنا في مواقف سحرية أخاذة. كل ذلك أسهم إلى حد بعيد في حصول الشغف بنجيب محفوظ الذي كانت كل صوره توحي بابتسامة التمكن من الحياة ومن ناصية الإبداع أيضا.

ومن المؤكد أن هذه الصورة لازالت عالقة في أذهان عديد من أبناء جيلي. أما بالنسبة إليّ فقد تحوّل الأمر مع مرور العقود إلى إحساس بالقوة الحضارية التي تختزنها العبارة المحفوظية. قوة التصوير وقوة الحوار وقوة التمكن من السرد. كذاك النجار الماهر الذي اكتسب مهارته الخارقة بكثرة الممارسة والتجريب والتأمل.لذلك انتهى بي المطاف إلى الوقوف عمليا على المظاهر الجمالية لتلك القوة من خلال التدريس ومن خلال النقد.ولكم تعجبت بعد ذلك عندما كنت أسمع بعض مثقفينا المغاربة يقولون بحسم خائب:

" -إن نجيب محفوظ قد انتهى!!".

محمد مشبال.

ماذا قدم نجيب محفوظ للرواية المصرية مما لم تتفطن إليه الرواية المغربية أو لم تحسن تقديره في سياق هيمنة النقد الإيديولوجي ومناهج النقد الأدبي الحديثة على التفكير الأدبي عند معظم كتاب الرواية عندنا؟

محمد أنقار.

لعل أبرز ما قدمه نجيب محفوظ للرواية المصرية والعربية، بما فيها الرواية المغربية، تطويعه السرد تطويعا خارقا للعادة. لذلك كثيرا ما قلت لنفسي إن الأمر يتعلق بموهبة ربانية قلما تتكرر. وأقصد بالتطويع القدرة على صياغة العبارة السردية في القصة وفي الرواية صياغة لا تشعر معها بأي تعثر في القراءة أو في أثناء التصور. وليس المقصود بالتطويع الجانب الشكلي فحسب وإنما مضامين العبارات والصور كذلك.وكأننا بنجيب محفوظ لا يصور سرديا إلا ما يحسن تمثله شخصيا. وهو بذلك لا يكتب إلا عن الموضوعات والأشياء والتفاصيل التي يعرفها جيدا. وهذا مبدأ جمالي معروف في مجال السرد أوصى به غويتيصولو وماركيث نفسه. لذلك كثيرا ما نصاب نحن قراء عديد من الروايات العربية أن أصحابها يصوغون عباراتهم بمضامين وتفاصيل لا يحسنون تصورها أو لا يدركون حقيقتها فتأتي مفبركة مصطنعة وحتى فارغة. ثم إننا نشعر أحيانا كأن هناك روايات أخرى تتسم بالنقص في الصياغة وأنها لا تزال في حاجة ماسة إلى إعادة كتابة ثالثة أو رابعة.

ولقد سبق أن أشرت في الجواب الأخير إلى ما أسميته " بالإحساس بالقوة الحضارية التي تختزنها العبارة المحفوظية ". وأقصد بذلك أن تستطيع العبارة السردية تجاوز إمكاناتها الخاصة وتمتلك القدرة على ترجمة اللحظة الحضارية التي تُكتب في سياقها. إنها العبارة غير اللازمة التي يمكن أن تنطبق على الحياة الخارجية نفسها في الوقت ذاته الذي تنطبق فيه على حيوات الشخصيات الروائية في عمل محدد. ولا داعي بعد ذلك إلى أن نثير الانتباه إلى ما يتحقق جرّاء ذلك الاختيار التعبيري من أبعاد إنسانية وكونية للسرد.

تلك بعض من الإضافات التي حققها سرد نجيب محفوظ. ومن البيّن أن عديدا من محاولاتنا العربية بقيت دون ذلك.

فتنة الصورة

محمد مشبال.

تشير الرواية إلى تأثير مشاهدة الأفلام المصرية في شخصية أحمد الساحلي، كما تشير إلى ولعه بأم كلثوم وزكريا أحمد وكيف أنه كان يستعين بهما على الكتابة.أريد أن أعرف هل كان الهوى الشرقي عند أحمد الساحلي وعبد الكريم في رواية المصري وعند حماد في محكيات محمد برادة"مثل صيف لن يتكرر" وعند مجموعة من الشباب المتعلم والناس العاديين مجرد تعلق عاطفي ارتبط بمرحلة معينة هيمنت فيها مفاهيم القومية، أم أن الإبداع الفني المصري حقا كان يفرض نفسه على الإنسان المغربي وكان جديرا بأن يشكل جزءا من ثقافته و وجدانه؟

محمد أنقار.

كان الإبداع المصري أولا قويا وكاسحا ثم حدث بعد ذلك التعلق العاطفي به من لدن كل البلاد العربية. أما القوة فتكمن في كثرة التجريب والتمرّس بأشكال وصور تعبيرية جديدة في شتى المجالات الفنية( سينما، غناء، أوبرا، مسرح، نحت، إذاعة، صحافة، أدب). وأما الاكتساح فيكمن في اتساع رقعة الإعلام الإذاعي والصحافي والسينمائي وتغطيته سائر البلاد العربية. ومن البيّن أن تكرار أسماء شخصيات الممثلين وعناوين الأعمال الأدبية والفنية والجرائد والمجلات والاستماع إلى كل ذلك يوميا من شأنه أن يرسخ في الأذهان وفي النفوس المادة الفنية المسموعة والمُشاهدة. ومن البدهي بعد ذلك أن تحصل المشاركة الشعبية والعاطفية مع الأعمال الفنية المصرية ويرتقي كل ذلك إلى شعور قومي مشترك، عناصره الفخر بالعروبة وقدرتها على اختراق مختلف مجالات الفن. ولن نعدم في هذا المضمار الأمثلة التي رفع فيها الحس الشعبي العربي النماذج الفنية المصرية إلى أعلى المستويات العالمية. فقد كنا نتساءل آنذاك عن السبب الذي منع نجيب محفوظ من أن يكون له مكان في خريطة الرواية العالمية. وكذلك الشأن مع إسماعيل ياسين وعبد الحليم حافظ وسواهما. وكم كانت فرحتنا عظيمة لما أن غنت أم كلثوم في مسرح الأوليمبيا بباريس. وكم كانت فرحتنا عظيمة كذلك لمّا أن عاينا كيف كان عمر الشريف ينافس كبار نجوم هوليود. كل ذلك جاء نتيجة لمجهود فني دؤوب وإعلام قوي كاسح وتجريب نشيط من لدن المصريين. وحيث إن عوامل قومية عديدة جمعت المغاربة والمصريين فقد لزم أن يكون ثمة تعاطف ومشاركة وجدانية عميقة ظهرت بصماتها واضحة في الثقافة المغربية الحديثة والمعاصرة.

صورة المدينة

محمد مشبال.

يمكن النظر إلى رواية المصري باعتبارها نصا واصفاmétatexte يعيد النظر في بعض معايير التصوير الروائي وكذلك في بعض المواقف حول الجنس الروائي؛ فبحث أحمد الساحلي وتوقه إلى تصوير المكان قصصيا بدل أسلوب التسجيل أو التصوير الشاعري يكشف معيارا جماليا تسعى الرواية إلى ترسيخه كما تسعى إلى الدفاع عن ضرورة الجنس الروائي في ثقافة الإنسان. هل هناك في نظرك خلفية ثقافية خارج النص تسوغ دفاع أحمد الساحلي عن الرواية ونقده للمعيارين التسجيلي والشاعري في تصوير المدينة؟

محمد أنقار.

أولا أتفق معك في المسألة الجمالية التي ترى فيها أن رواية "المصري" تتجاوز الأسلوب التسجيلي الواصف للمكان أو تصويره شاعريا. ومرة قال لي أحد الزملاء إن في الرواية كثيرا من الوصف. وبالطبع احترمت وجهة نظره وإن كنت قد أدركت في نفس الوقت أنها فكرة غير صحيحة تمام الصحة مادام الوصف في رواية "المصري" غير ثابت ولا جامد ولا مكرور وإن أعطى في البداية انطباعا بأنه كذلك. وحقيقته أنه وصف مستحيل. بمعنى أن أحمد الساحلي إذ يهتدي إلى وصف يتوهم أنه يناسب المكان الموصوف؛ سرعان ما تجده بعد ذلك يخضع الوصف لسؤال أو يقول عنه إنه قاصر أو غير مطابق، أو إنه وصف لن يرقى إلى المستوى الرفيع الذي نلفيه عند نجيب محفوظ. إن الأمر يتعلق فعليا بمعيار جمالي مقترح وكذا برغبة عارمة وخفية من أجل جعل الجنس الروائي شكلا من أشكال الوصول إلى حقيقة الإنسان وثقافته المحلية والكونية.

أما عن "الخلفية الثقافية" المحتمل وجودها خارج النص التي تسوّغ دفاع أحمد الساحلي عن الجنس الروائي؛ فتكمن حسب وجهة نظري في جوهر العملية السردية في حد ذاتها. إن أحمد الساحلي لا يعي جيدا الشكل الروائي الذي يجب أن يكتب به روايته التي لن تكتب أبدا. لكنه إذ لا يعي ذلك جيدا يحدس بغموض صورة ذلك الشكل وإن لم يستطع أن يحقق ذلك عمليا. أما النقص الذي يواكب ذلك الحدس ويكتنفه فيعوضه الساحلي بالتشبث المطلق بإبداع نجيب محفوظ. والحق أننا إذا فحصنا الطبيعة الجمالية لذلك الحدس ألفيناها غير تسجيلية ( حسب طريقة زولا ) ولا شاعرية ( بطريقة محمد الصباغ )، وإنما هي طبيعية جمالية تنتمي إلى عوالم "ألف ليلة وليلة" و" الديكاميرون" و"كليلة ودمنة" و"الكيخوطي" وأعمال نجيب محفوظ نفسها. بمعنى آخر إنها دعوة إلى العودة إلى المنبع الأول للسرد الإنساني ذاته قبل أن تتسرب إليه أفانين التصنيع والتركيب.

محمد مشبال.

إن خروج أحمد الساحلي إلى دروب المدينة القديمة لالتقاط مادة الرواية ورجوعه إلى البيت يجر أذيال الخيبة والعجز، لا يعني مع ذلك أن الرواية فن الخيال المحض؛ ف"المصري" رواية مشتقة من واقع تطوان، إنها قريبة من الحياة المألوفة لفئة اجتماعية نلتقي بها في واقعنا اليومي.ولكن هذا التشابه بين ما نقرأه على صفحات الرواية وبين ما يجري حولنا، يمكن أن يؤدي إلى قراءة غير أدبية سعت الرواية نفسها إلى التنبيه إلى عيوبها من خلال تصويرها لتوق أحمد الساحلي إلى البناء القصصي والسمات الفنية بدل التسجيل وملاحقة المعلومات. ما هي في نظرك مسوغات اختيار المنزع الواقعي في رواية المصري؟

محمد أنقار.

إني أومن في مجال النقد القصصي والروائي كما في مجال إبداعهما أن المنزع الواقعي لم يستنفد بعد كل إمكاناته وطاقاته كما يتوهم عديدون. ولا أظن أن منزعا أو تيارا أدبيا ظُلم في العقود الجمالية الأخيرة مثلما ظلمت الواقعية. وأتصوّر أن خلطا وقع فيه بعض المثقفين حينما لم يفلحوا في التمييز بين " أنماط الواقعية " وأساليبها المتباينة. هكذا تم عدم التمييز في الحكم على الواقعية التسجيلية، والواقعية الفوتوغرافية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية، وواقعية الانعكاس، والواقعية التأملية. بل إن عديدين لم يستطيعوا التمييز بين واقعية ستاندال، وواقعية فلوبير، وواقعية زولا، وواقعية نجيب محفوظ. وعندما اكتسح المدّ البنيوي مجال النقد السردي جعل من أولى مهامه ضرب التيار الواقعي. والحقيقة أنني لست هنا في مجال الدفاع عن الواقعية من حيث هي تيار في حد ذاته وإنما من حيث هي أسلوب تعبيري لا يزال يكتنز قدرا هائلا من الإمكانات التعبيرية والأفانين الأسلوبية والبلاغية التي من شأنها أن تسعفنا نحن الكتاب العرب في تصوير جوانب من حياتنا المعاصرة.

في هذا السياق الأسلوبي كتبت رواية "المصري". والطريف في الأمر أني وجدت البيئة المحلية لمدينة تطوان تسعف إلى حد كبير في استشراف أفانين التصوير الواقعي المتأمل الذي يزخر بشتى التفاصيل المعيشية اليومية ولكنه استشراف لا يكتفي بدعوتك إلى أن تمارس مجرد "التسجيل" بل يدعوك كذلك إلى أن "تتأمل". هكذا جاء الوصف في "المصري" مفعما بإيحاءات الشرود، واللاتحديد، والانسياب، والبساطة الخادعة وما إلى أولئك من السمات التي تعلن وتضمر في وقت واحد. إن الأمر يتعلق بنمط من التركيب الذي يبدو في ظاهره غير مركب.إنها واقعية تطفو على السطح ودعوة في العمق إلى التأمل الوجودي في تفاصيل الحياة اليومية.

النموذج العليل

محمد مشبال.

إن تأملا دقيقا في أعمالك الإبداعية يكشف أنك اخترت في تصويرك الأدبي نموذجا إنسانيا يعاني نقصا أو علة أو عجزا. في رواية "المصري" تصور شخصية تتطلع إلى الكتابة على غرار ما فعل نجيب محفوظ ولكن إحساسا بالعجز يستولي عليها ويشل قدرتها على تنفيذ معرفتها ومشروعها.وتهيمن على أعمالك القصصية شخصيات تعاني ضروبا من العلة والضعف والعجز نفسيا وجسديا وسلوكيا، ولكن هذه الشخصيات تتمتع مع ذلك بضرب من القوة الروحية والأخلاقية مما يجعلها شخصيات إنسانية دينامية وواقعية أكثر منها نماذج مستعارة من مذاهب فكرية أو اتجاهات فنية . كيف تفسر ذلك؟

محمد أنقار.

تعلّمنا النماذج الأدبية العالمية الرفيعة أن العلة يمكن أن تستحيل إلى قوة إنسانية مؤثرة، وفاعلة، وإيجابية. أوَ لا نقول: " إن النسيم العليل ينعش؟". أو ليس الإنعاش مظهرا من مظاهر القوة؟ استشرفْ ذلك في أعمال مارسيل بروست وكافكا وهنري باربوس وماكْسِنْسْ فانْ ديرْ ميرْشْ Maxence Van der Meersch وكنوط هامسون وبهاء طاهر وطوماس مان ووودي ألن وغيرهم كثير. والواقع أن الأسلوب العليل في التصوير الروائي والقصصي والسينمائي إنما يقف في مواجهة تلك النماذج الأدبية والفنية التي ترفض "العلة" وتستمد "القوة" ليس من تكوين الإبداع الأدبي ذاته، وإنما من مواقف الفتوة والشجاعة المفتعلة للكتاب أنفسهم، في حياتهم الشخصية. إن في التراجيديات والملاحم الإغريقية "قوة"، لكنها موضوعة إزاء نماذج "الضعف" باتزان وانسجام.وينطبق هذا الحكم الجمالي نفسه على أعمال إرنست همنغواي ونجيب محفوظ. أما فيما يخصني شخصيا فقد بدأت أكتب محاولاتي القصصية منذ منتصف الستينات مستلهما النموذج العليل بدوافع فطرية وحوافز شخصية نابعة من طبيعتي الخاصة.فأنا لم أتصور نفسي أبدا رجلا قويا. وإن أشد ما أكرهه هؤلاء الفتوات الموجودين في كل الميادين الحياتية، بما فيها الميدان الثقافي. وبعدما تقدم بي العمر لاحظت أن عديدا من الروايات والقصص العربية إنما تحاول أن تفرض ذاتها عليّ ليس بجماليتها المحبوكة وجودة بنائها وإنما بالمواقف القوية لكتابها التي يعلنها سلفا ويروّجها الإعلام الأدبي المنحاز. وفي مرحلة الستينات صارحني أكثر من واحد بأن ما أكتبه إنما يندرج ضمن مجال أدب الفسولة والهشاشة، وأن من مدعاة ذلك أن أهمَّش و أُبعَد. وربما كان ذلك واحدا من الأسباب التي جعلتني أحجم عن النشر سنوات طويلة جدا. بيد أني اهتديت مع مرور الوقت إلى أن "العلة" يلزم أن تكون هي الأخرى حافزا من حوافز إنتاج الأدب الجيد.إنها يمكن أن تغدو استثمارا إيجابيا على طريقة ماركيث التي يعمل بواسطتها على تحويل مواقفه الشخصية السلبية إلى نماذج أدبية رفيعة. وأظن في نهاية الأمر أن الإبداع الجيد لا يجب أن يقيّم بمضمونه "القوي" أو "العليل" فحسب، وإنما بالنظر إلى جودة حبكته وقدرته على التأثير في النفوس والعقول.

النثر والبيان

محمد مشبال.

تعد رواية المصري قطعة من النثر الأدبي الجميل الذي يستحوذ على القارئ كما كانت تستحوذ عليه الكتابات النثرية السردية المبكرة في الأدب العربي الحديث مثل ما كتبه المازني وطه حسين ومحمود تيمور وغيرهم من كتاب النثر الحديث، على الرغم من أنها نص سردي يفترض عادة ألا تحوز فيه اللغة من حيث هي بنية لفظية أي تقدير جمالي ذاتي غير التقدير الذي تحدده طبيعة أدوارها في صياغة العمل وتقوية تأثيره؛ أي باختصار يمثل جمال اللغة الذاتي مطلب الشعراء وليس الروائيين. ومع أن المصري لم تستجر بلغة الشعر إلا أنها مع ذلك أوحت لنا بأن الرواية تصنع بالألفاظ كما تصنع بالأحداث والشخصيات والحبكات.نريد أن توضح لنا وجهة نظرك في علاقة الروائي باللغة خاصة أن روايتك تستعيد في أذهاننا زمن اللغة العربية الجميلة، وكأن إحدى المهمات التي تضطلع بها روايتك هي بعث بيانية اللغة العربية وتجديدها بما يتناسب مع بلاغة الرواية.

محمد أنقار.

لقد رسخ في عقول عديد من المبدعين والنقاد العرب في العقود الأخيرة أن لغة الرواية العربية يجب أن يصيبها قدر كبير من التفكيك والتفجير والتقعير مثلما أصاب الفكر النقدي ذاته. هكذا أصبحت اللغة هدفا رئيسا لهؤلاء من أجل تفتيتها بدعوى أن يتجاوزوا جمود الكتابات السردية الحديثة التي احتفت باللغة في حد ذاتها على حساب البناء والحبكة والتكوين والصياغة. وإذا كان المنطلق الفكري لهؤلاء صحيحا إلى حد بعيد؛ إلا أنهم لم يقترحوا البديل المناسب، وإنما اختاروا السبيل السهل المصاغ سلفا في قوالب ثقافية جاهزة، من قبيل التفكيك والتفجير والتشظية وما إلى ذلك من القيم الفكرية والتعبيرية التي هي بنات العولمة ومسايرة لها. وفي مقابل هذا وذاك أرى أن الطريق الأنجع والأصعب في نفس الآن يكمن في العمل على تطويع اللغة العربية لأساليب وفنون التصوير الروائي والقصصي مع محاولة الحفاظ قدر الإمكان على بيان العبارة العربية ومائها الحي. بمعنى آخر أن تكون ثمة محاولة من لدن الروائيين المعاصرين من أجل إتمام الطريق الرائع الذي بدأه طه حسين والمازني والعقاد وشكري عياد ومحمد تيمور وسواهم. وهكذا يبدو أن الحل المناسب يكمن في البحث عن نمط من " الاستمرارية " لتلك الأصول السردية النقدية التي أتاحها لنا هؤلاء المبدعون الكبار بدل إحداث القطيعة معها.لكن للأسف الشديد بدا لعديدين أن "القطع" سهل و"الاستمرار" صعب. وتلك سمة من سمات حياتنا الثقافية الجديدة التي غدونا خلالها ننساق مع المستورد الميسور بدل التعب في نحت نماذجنا المعاصرة من الموروث المتوفر لدينا. هذا هو تصوّري لبلاغة الرواية العربية وعموم السرد العربي. وفي هذا المضمار أردت أن تكون اللغة الروائية في "المصري" ترجمة عملية لهذا التصور الذي يعمل جاهدا على إخضاع وهج البيان العربي لأصول الكتابة الروائية المعاصرة. أما تقييم هذه المحاولة فأقول للمرة الثالثة إني أتركه للنقاد.